الانتقال إلى المحتوى
الموقع الشخصي لـبشير بن نعمان دحانخلاصة المقالات RSS

الرحمة بالصغير لا تناقض تربية الحزم

وقت القراءة: 3 دقائق تقريبًاالكاتب في سجل الموقع: ibn alislam
مدة القراءة التقريبية: 3 دقائق

في الحديث النبوي توجيه يجمع بين رحمة الصغير ومعرفة حق الكبير، وهما معنيان يتكاملان في بناء الأسرة، فلا تتحول الرحمة إلى إهمال للتوجيه، ولا ينقلب احترام الكبير إلى خوف يمنع الطفل من التعبير والسؤال

قد يظن بعض المربين أن الشدة المستمرة تختصر وقت التعليم، فيرفع صوته عند أول خطأ، ثم يعيد الأسلوب نفسه كلما تكرر الخطأ، لكن الطفل يحتاج قبل العقوبة إلى معرفة ما المطلوب منه، ولماذا يعد السلوك خطأ، وكيف يستطيع إصلاحه، فالتعليم يسبق المحاسبة على ما لم يتضح

والرحمة لا تعني الاستجابة لكل طلب، فقد تكون المصلحة في منع ما يضر الطفل أو تأجيل ما يرغب فيه، غير أن طريقة المنع تصنع فارقًا، فقول المربي بلغة هادئة إن هذا الفعل غير مناسب، مع ذكر بديل ممكن، يختلف عن التوبيخ الجارح الذي يلصق بالطفل وصفًا ثابتًا بسبب موقف عارض

ومن تطبيقات الرحمة الإصغاء إلى الطفل حين يخبر عن خوف أو حزن، فلا يقال له إن ما يشعر به لا يستحق الانتباه، بل يساعد على تسمية شعوره وفهمه، ثم يوجَّه إلى ما يستطيع فعله، وليس المطلوب إطالة النقاش في كل حادثة، وإنما إشعاره بأن حاجته إلى الكلام ليست سببًا للعقاب

ومع تقدم العمر تتغير طريقة التربية، فيحتاج الصغير إلى توجيه أكثر مباشرة، بينما يحتاج المراهق إلى مساحة أوسع للحوار وتحمل نتائج الاختيارات الملائمة لسنه، وتبقى القاعدة واحدة، صيانة الكرامة مع وضوح الحدود

ومن المهم أن يرى الأبناء هذه القيم في سلوك الكبار بينهم، فالطفل الذي يُطلب منه احترام الآخرين ثم يسمع الإهانة في البيت يتلقى رسالتين متعارضتين، أما إذا شاهد الاعتذار عند الخطأ، والوفاء بالوعد، وحسن الاستماع، فقد رأى التربية قبل أن يسمع شرحها

الرحمة هنا ليست عبارة يكررها المربي، بل مواقف متتابعة يتعلم منها الطفل أن المحبة لا تزول بسبب الخطأ، وأن للبيت نظامًا يحفظ الحقوق ويعين على النمو

وللحزم الرحيم وسائل عملية، منها الاتفاق مسبقًا على قواعد قليلة مفهومة، وأن ترتبط النتائج بالسلوك نفسه بقدر الإمكان، فإذا أفسد الطفل شيئًا بسبب الإهمال شارك في إصلاح ما يستطيع إصلاحه بدل الاكتفاء بوصفه بأنه مهمل، وإذا اختلف مع أخيه تعلّم أن يذكر ما حدث دون شتم أو ضرب، فلا تتحول كل مخالفة إلى صراع على مكانة المربي

والمدح كذلك يحتاج إلى بصيرة، فمدح الجهد الصادق والتصرف الحسن أوضح للطفل من الإطراء العام الذي لا يبين له ما فعله على وجه صحيح، ومثل ذلك الاعتذار من الأب أو الأم إذا وقع منهما ظلم أو قسوة زائدة، فالاعتذار لا يسقط حق التربية، وإنما يبين أن العدل واجب على الكبير والصغير

ومراعاة الفروق بين الأبناء جزء من الرحمة، فقد يستجيب أحدهم للتنبيه السريع، ويحتاج الآخر إلى تكرار هادئ أو وسيلة بصرية تشرح المطلوب، فلا يصح اتخاذ اختلاف القدرات أو الطباع سببًا للمقارنة المهينة، ومن العدل أن يعطى كل طفل ما يعينه على أداء ما كُلّف به

أدوات القراءةمشاركة بواتساب

مقالات ذات صلة

الأسرة والمجتمع

الإنفاق الأسري بين الحاجة والمظهر

مدة القراءة التقريبية: 1 دقائقتثقل الأسرة نفسها حين تقيس قيمتها بما تظهره للناس من مقتنيات، فالموازنة الرشيدة تبدأ بتقديم الضروريات وتقدير القدرة المالية قبل الالتزامات الاجتماعية،…

اقرأ المقال