للجار حرمة تتجاوز حدود الجدار
قد يعيش جاران أعوامًا لا يتبادلان إلا تحية عابرة، ومع ذلك يمكن أن يكون كل منهما حسن الجوار للآخر، إذا أمنه من الأذى، وحفظ خصوصيته، ولم يجعل قرب المسكن سببًا للتدخل في شؤونه، فحسن الجوار لا يُقاس بكثرة الزيارات وحدها
ورد في السنة تغليظ خاص للاعتداء على حق الجار، وقد نقل البخاري في الأدب المفرد خبرًا يبين شدة قبح انتهاك حرمة بيت الجار وماله، والوجه التربوي في ذلك أن الجوار ينشئ قدرًا من الثقة والأمان، فمن استغل قربه للإضرار بغيره جمع إلى أصل الاعتداء خيانة حرمة المكان والعلاقة
وفي الحياة اليومية تظهر صور أقل ظهورًا من الاعتداء المباشر، كإزعاج الناس في أوقات الراحة، أو إشغال المداخل والممرات المشتركة، أو نقل أخبار البيوت، أو تصوير ما لا ينبغي تصويره، وقد يتساهل المرء في هذه التصرفات لأنها صغيرة في نظره، بينما تتكرر آثارها على من يجاوره
وللجار أيضًا حق المعاملة الكريمة عند وقوع الخلاف، فالشكوى من ضوضاء أو استعمال مرفق مشترك ينبغي أن تبدأ ببيان واضح بعيد عن الاتهام، وأن تُعطى فرصة لمعالجة المشكلة، فقد يكون سبب الضرر غير مقصود أو غير معلوم لصاحبه
ومن جميل الجوار أن يعرض الإنسان المساعدة عند الحاجة دون أن يثقل على جاره بالأسئلة، وأن يراعي المرض والحزن والظروف الطارئة، وأن يحفظ ما يطلع عليه بحكم القرب، فالمعروف الذي يمنح صاحبه شعورًا بالأمان أبلغ أثرًا من مجاملة تتكرر باللسان ثم تُنقض بالفعل
ومع اختلاف الطبائع والعادات لا يلزم أن تتشابه العلاقات بين جميع الجيران، فقد يفضل أحدهم قلة الزيارات ويحب الآخر التواصل، والأولى احترام الحدود التي تحفظ الود، إذ المقصود من حق الجوار أن يكون القرب سببًا للسكينة، لا مصدرًا لقلق دائم
ومن صور حسن الجوار التي يغفل عنها بعض الناس مراعاة العمال والمستأجرين والوافدين، فحق الجار لا يتوقف على صلة القرابة أو التشابه في العادات، ولا يسقط باختلاف المذهب أو البلد أو الوضع المادي، وإنما يبدأ من الامتناع عن الأذى ويقوى بالمعروف الممكن
ويظهر أثر هذا الخلق في العمارات السكنية المشتركة، إذ قد ينتفع بعض السكان بممر أو موقف أو مصعد فيظنه ملكًا له وحده، بينما الاستخدام العادل يقتضي معرفة الحق المشترك وعدم تعطيل حاجة الآخرين، وما أمكن حله باتفاق واضح ومهذب لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة تستمر أعوامًا
ومن المفيد عند النزاع ألا يجمع الإنسان شكاوى قديمة لا صلة لها بالواقعة الحالية، فإثارة كل خلاف سابق تزيد الانفعال ولا تعالج السبب القائم، والأقرب إلى الإصلاح أن يذكر الفعل الذي أضر به والوقت الذي وقع فيه وما يرجو تغييره، ثم يسمع رد الطرف الآخر
وإذا احتاج الأمر إلى وسيط أو جهة مختصة فليكن المقصود رفع الضرر بالقدر اللازم، لا التشهير أو الانتقام، فالشكوى قد تكون حقًا، لكن العدل في عرض الوقائع حق كذلك، وبهذا يبقى باب حسن الجوار مفتوحًا حتى بعد اختلاف عابر