الانتقال إلى المحتوى
الموقع الشخصي لـبشير بن نعمان دحانخلاصة المقالات RSS

حين يكون الإنصاف طريقًا إلى الفهم

وقت القراءة: 2 دقائق تقريبًاالكاتب في سجل الموقع: ibn alislam
مدة القراءة التقريبية: 2 دقائق

ليس الإنصاف في العلم أن يسكت المرء عن خطأ يراه، ولا أن يجعل الأقوال جميعًا في منزلة واحدة، وإنما أن يمنح كل قول حقه من الفهم قبل الحكم عليه، وأن يُفرّق بين ضعف الدليل وضعف صاحبه، وبين مخالفة الرأي والطعن في النية

يلفت ابن عبد البر في حديثه عن آداب العلم إلى منزلة الإنصاف، ويربط بينه وبين القدرة على الفهم والتفهّم، وهذا الربط بالغ الدقة، لأن من دخل إلى المسألة وهو قد أغلق باب النظر في حجج غيره، فإنما يبحث عما يؤيد موقفه السابق، وقد تفوته وجوه الدلالة التي لا تظهر إلا لمن يستمع بصدق

يبدأ الإنصاف من طريقة عرض المسألة، فلا يُنسب إلى المخالف ما لم يقله، ولا يُنتزع كلامه من سياقه لإظهار ضعفه، وإذا كان له تفصيل أو قيد مؤثر في الحكم وجب ذكره، وقد يكون الاختلاف ناشئًا عن تصورين مختلفين للواقعة، فتصحيح التصور عندئذ أسبق من مناقشة الحكم

ومن الإنصاف أيضًا أن يراجع الإنسان حجته إذا ظهر له ما يناقضها، فالثبات على الحق لا يعني التمسك بكل ما سبق أن قيل، والرجوع عن رأي اجتهادي بعد ظهور ما هو أقوى منه ليس نقصًا في المكانة، بل دليل على أن المقصود هو معرفة الصواب

وفي المجالس العلمية تظهر الحاجة إلى هذا الخلق حين يختلف الحاضرون في فهم نص أو توجيه عبارة، فينبغي للسائل أن يطلب بيان وجه الاستدلال، وللمجيب أن يشرح موضع الاتفاق قبل موضع النزاع، وأن يفصل بين النص المنقول والتفسير الذي يراه راجحًا، فبهذا يعرف المتحاوران أين يبدأ الخلاف وأين ينتهي

والإنصاف لا يُلغي الحزم في المسائل الواضحة، لكنه يمنع الظلم في وصف الأشخاص والمذاهب والأقوال، ويحفظ للبحث غايته الأصلية، وهي الوصول إلى فهم أقرب إلى الدليل، لا الحصول على انتصار سريع في نقاش عابر

أدوات القراءةمشاركة بواتساب

مقالات ذات صلة