الانتقال إلى المحتوى
الموقع الشخصي لـبشير بن نعمان دحانخلاصة المقالات RSS

من مطلع سورة لقمان: كيف تقترن العبادة باليقين

وقت القراءة: 2 دقائق تقريبًاالكاتب في سجل الموقع: ibn alislam
مدة القراءة التقريبية: 3 دقائق

تفتتح سورة لقمان بذكر القرآن الحكيم، ثم تصفه بأنه هدى ورحمة للمحسنين، ولا تترك وصف الإحسان مبهمًا، بل تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة واليقين بالآخرة، فتجتمع في الآيات عبادة البدن وعبادة المال وعمل القلب

الترتيب هنا جدير بالتأمل، فالصلاة صلة متجددة بالله، والزكاة انتقال للعبادة من دائرة الفرد إلى حقوق الآخرين، واليقين بالآخرة يمنح الأعمال معنى يتجاوز المكسب العاجل ونظر الناس، ومن جمع هذه المعاني فهم أن الإحسان ليس عاطفة طيبة فقط، بل منهج يظهر أثره في أداء الواجبات

وقد شرح ابن كثير وصف المحسنين بربطه باتباع الشريعة وإقامة الصلاة في أوقاتها وحدودها، وأداء الزكاة لمستحقيها، واليقين بالجزاء، فالمسألة ليست كثرة أعمال لا ينتظمها مقصد، وإنما امتثال يلتقي فيه ظاهر العمل وباطن القصد

وتوحي الآيات بأن الهداية لا تُقاس بمجرد معرفة المصطلحات، فقد يعرف الإنسان فضائل كثيرة ثم يقصر في واجب ظاهر، بينما يجمع المؤمن بين العلم بما أُمر به والعمل الذي يصدقه، ولذلك جاء وصف الفلاح بعد بيان صفات المحسنين، لا قبلها

ومن وجوه التربية في هذه الآيات أن العبادات ليست جزرًا منفصلة، فالمحافظة على الصلاة ينبغي أن تثمر انضباطًا في الوقت والمسؤولية، وإيتاء الزكاة يربي صاحب المال على إدراك حقوق غيره، واليقين بالآخرة يدفع إلى مراقبة النية حين يغيب الثناء أو لا يُرى أثر العمل سريعًا

والقارئ حين يراجع يومه في ضوء هذه المعاني يستطيع أن يسأل نفسه أسئلة محددة، هل أؤدي العبادة على وجهها، وهل أراعي حقوق من جعل الله لهم حقًا في مالي، وهل يؤثر إيماني بالآخرة في اختياراتي الصغيرة قبل الكبيرة، هذه الأسئلة العملية تجعل تدبر الآيات طريقًا إلى إصلاح السلوك

وتستحق عبارة إقامة الصلاة عناية خاصة، فالإقامة أوسع من أداء حركة في وقتها، لأنها تتصل بالمحافظة على شروط العبادة وأركانها والخشوع فيها بحسب استطاعة المرء، ولا ينبغي أن يكون انشغال الإنسان بظاهر الانضباط سببًا لإهمال معنى الحضور بين يدي الله، كما لا يصح أن يجعل حديثه عن الخشوع ذريعة لترك الواجبات الظاهرة

وأما الزكاة فتذكر صاحب المال بأن الملك الذي أتيح له لا يرفع عنه حق المستحق، وبذلك يلتقي في العمل الواحد معنى الطاعة ومعنى صيانة المجتمع من آثار الشح، والفقير هنا ليس موضوعًا للتفاخر بالعطاء، وإنما صاحب حق يؤدى بأدب، ويتأكد هذا الأدب حين يستطيع المعطي أن يستر المحتاج ويحفظ كرامته

ولا يقع اليقين بالآخرة في آخر الوصف بوصفه إضافة لفظية، بل يتصل بتقويم النية حين يكون العمل خفيًا أو لا يأتي أثره العاجل كما يتمنى صاحبه، ومن هنا يختلف من يؤدي الواجب طمعًا في ثناء الناس عمن يتعبد لله وإن لم يره أحد

أدوات القراءةمشاركة بواتساب

مقالات ذات صلة