قبل أن تقول لا أدري
قد يُسأل الإنسان عن مسألة دينية أو تاريخية أو لغوية، ويكون لديه طرف من المعرفة، فيغريه ذلك بأن يتم الجواب من ذاكرته، وربما خلط بين ما سمعه وما تحققه بنفسه، فتخرج عبارة واثقة في ظاهرها، مضطربة في أصلها
خصّ ابن عبد البر مسألة ما يلزم العالم إذا سئل عما لا يدريه بباب مستقل، وفي هذا الاختيار إشارة إلى أن ضبط حدود المعرفة جزء من أدب العلم نفسه، فلا تكتمل أهلية المجيب بكثرة ما يعلم، بل تشمل معرفته بما يحتاج إلى بحث أو توقف
ولكلمة لا أدري صور مختلفة، فقد يكون أصل الخبر مجهولًا، وقد يكون الخبر معروفًا لكن إسناده لم يُتحقق منه، وقد تتضح القاعدة العامة ولا تتضح تفاصيل الواقعة، وقد يكون سبب التوقف اختلافًا معتبرًا في تفسير النص، والإفصاح عن نوع عدم اليقين أنفع للسائل من تركه مع جواب مبهم
في التعامل مع النصوص مثلًا، لا يكفي العثور على جملة منسوبة إلى إمام حتى تصح نسبتها، بل ينبغي معرفة مصدرها وسياقها، وهل كانت جوابًا عن واقعة خاصة، وهل يوجد في كلامه ما يقيّد ظاهرها، وقد تغيّر هذه الأسئلة معنى العبارة تغييرًا كبيرًا
أما في شؤون الحياة اليومية، فالأمانة نفسها مطلوبة حين يتحدث الإنسان عن تجربة لم يخضها أو تخصص لم يدرسه، فلا يجعل الشهرة أو كثرة القراءة بديلًا عن الاختصاص، ومن حسن الجواب أحيانًا إحالة السائل إلى من هو أعلم بالمسألة
ولا يلزم من ذلك أن يصبح المرء مترددًا في كل ما يعرفه معرفة صحيحة، فالاحتياط لا يعني إهدار الأدلة الواضحة، وإنما يعني التمييز بين موضع الجزم وموضع الاحتمال، وبين ما ثبت لديه وما يظنه
إن صدق الإنسان حين يقول لا أدري يحفظ قيمة كلمته حين يقول أعلم، وفي هذا ميزان لا يستغني عنه طالب العلم ولا من يتصدر لإرشاد غيره
وفي الفضاء الرقمي تتضاعف هذه المسؤولية، إذ يسهل نسخ معلومة ثم نشرها مصحوبة بعبارة جازمة، وبعد ساعات قد تصل إلى أشخاص لم يعرفوا صاحبها الأول ولا درجة ثبوتها، ومن الأمانة هنا أن يتثبت الناشر قبل أن يضيف إلى الخبر قوة جديدة بإعادة تداوله
وقد يُظن أن الاعتراف بعدم المعرفة يُفقد المتحدث ثقة من يسأله، ولكن الثقة التي تقوم على جواب في كل شأن ثقة هشة، والأفضل أن يعرف الناس أن صاحب الكلمة يفرق بين خبر رآه في مصدره وبين أمر سمعه ولم يتحقق منه، فليس المراد أن يكون المرء حاضر الجواب دائمًا، بل أن يكون صادقًا حين يتكلم
وإذا تبين للمجيب بعد مدة أن جوابه السابق غير صحيح، فتصحيحه للناس جزء من واجبه، ولا يكفي أن يغير رأيه في نفسه ويترك الخطأ ينتقل على لسان من أخذ عنه، فمراجعة الخطأ العلني ينبغي أن تكون واضحة بقدر وضوح نشره الأول