الانتقال إلى المحتوى
الموقع الشخصي لـبشير بن نعمان دحانخلاصة المقالات RSS

ما الذي تعلمنا إياه كلمة اقرأ في بداية الوحي

وقت القراءة: 3 دقائق تقريبًاالكاتب في سجل الموقع: ibn alislam
مدة القراءة التقريبية: 3 دقائق

بدأ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالقراءة، كما ورد في صدر سورة العلق، ولم يأت الأمر منفصلًا عن بيان مصدر الوجود والعلم، بل اقترن باسم الرب الذي خلق الإنسان وعلمه ما لم يعلم، فتتجاور في الآيات نعمة الخلق ونعمة التعليم

وليس في هذا الاقتران مجرد تمجيد للمعرفة من حيث هي معلومات، وإنما تذكير بأن المتعلم مخلوق محتاج إلى ما يفتح الله عليه به من فهم، وأن ما يكتسبه من علم لا يبرر الكبر أو احتقار من لم يصل إلى مرتبته، فمن عرف بداية جهله كان أقرب إلى التواضع عند اتساع معرفته

وجاء ذكر القلم في سياق التعليم، وهو أداة تحفظ ما قد يضيع من الذاكرة وتتيح انتقال المعرفة بين الأجيال، ومن هنا تظهر قيمة تدوين العلم وضبط ألفاظه ونسبة الأقوال إلى أصحابها، فالكتابة ليست زينة للمعرفة، بل وسيلة لصيانتها ومراجعتها

ويروي حديث بدء الوحي موقفًا إنسانيًا عظيمًا، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها وقد أصابه الروع، فاستقبلته بالطمأنينة وذكّرتْه بأعماله الكريمة من صلة الرحم وصدق الحديث وإغاثة المحتاج وإكرام الضيف، وفي هذا التذكير صورة من فقه المواساة، إذ واجهت الخوف باستحضار أخلاق ثابتة تعرفها منه

تجمع هذه البداية بين العلم والعمل والعلاقة الإنسانية، فهناك أمر بالقراءة، وتذكير بالخلق، وذكر لأداة التعليم، ثم موقف يبرز أثر الصدق والإحسان في حياة صاحب الرسالة، ولذلك لا يحسن أن نختزل معنى الآيات في شعار عام عن الكتب دون النظر في سياقها ومعانيها

والتطبيق الأقرب للقارئ أن يجعل قراءته طريقًا إلى الفهم والتزكية، وأن يسأل عن صحة ما ينقله، وأن يحفظ ما تعلمه بالكتابة والعمل، وألا يظن أن كثرة ما يقرأ تمنحه حق الاستغناء عن المشورة أو المراجعة

ومن وجوه العناية بالقلم أن يُحسن القارئ التعامل مع الاختلاف بين النسخ والنقول، فقد يكتب الناس عبارة ثم تنتشر بصيغة أخرى، وقد توضع كلمة في موضع كلمة حتى يختلف المعنى، ومراجعة النص في أصله عمل علمي يحفظ قدر صاحبه ويمنع تكرار الخطأ، وليس مجرد تدقيق شكلي

وتنفع الكتابة أيضًا في تقويم الذات، إذ يستطيع طالب العلم أن يسجل ما فهمه من درس ثم يعود إليه بعد مدة، فيرى مواضع النقص أو التسرع، ويعرف ما يحتاج إلى قراءة أوسع، وإذا استمع إلى شرح من غيره كان الأولى أن ينسب الفكرة إلى قائلها وألا يوهم الناس أنها حصيلة بحثه الخاص

وتبرز في قصة خديجة رضي الله عنها قيمة الكلمة الطيبة حين يقع الخوف، فهي لم تنفزع من حديثه ولم تبادر إلى اتهامه أو التقليل من شعوره، بل ذكرت خصاله التي تعرفها، ثم سعت معه إلى من يسمع الخبر ويعين على فهمه، وهي صورة رفيعة من الجمع بين المواساة والفعل العملي

ولا ينفصل ذلك عن معنى القراءة في حياة المؤمن، فالإنسان يقرأ النصوص، ويقرأ أحوال من حوله بحكمة، ويدرك أن العلم الذي لا يزيده صدقًا وتواضعًا ورحمة يحتاج إلى مراجعة في الغاية والطريقة

أدوات القراءةمشاركة بواتساب

مقالات ذات صلة