فضل قراءة وحفظ الأحاديث النبوية

السنة النبوية هي البيان للقرآن الكريم، والمفسر لمعانيه، والمفصل لأحكامه، ولذلك كان الاشتغال بها حفظا وقراءة وفهما من أجلّ أبواب العلم الشرعي وأشرفها، وقد دل القرآن الكريم على هذا المعنى في قوله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم»، كما أمر بالأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم  في قوله سبحانه: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، ومن ثم لم يكن حفظ الأحاديث وقراءة كتبها وشروحها عملا ثقافيا محضا، بل كان مسلكا تعبديا ومعرفيا يجمع بين صيانة الدين، وتحصيل الفقه، وتهذيب السلوك.

 

ويظهر فضل حفظ الحديث النبوي بجلاء في النصوص الصحيحة التي حضت على تلقي السنة وضبطها وأدائها، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها»، وهذا الدعاء النبوي بالنضرة والبهاء يكشف عن رفعة منزلة من يعتني بحديثه سماعا ووعيا وتبليغا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع»، وقد أخرجه البخاري ومسلم، وفي هذا توجيه عميق إلى أن حفظ السنة ليس غاية شكلية، وإنما هو جزء من سلسلة العلم التي تمتد من السماع إلى الفهم ثم إلى الأداء الأمين، وبذلك يغدو الحافظ شريكا في حفظ الشريعة، وحاملا لنور النبوة عبر الأجيال.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الحفظ في التصور السني ليس مجرد استظهار للألفاظ أو مباهاة بكثرة المحفوظ، بل هو وسيلة إلى التفقه والعمل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وهو متفق عليه، فالخير الحقيقي لا يكتمل إلا إذا اقترن الحفظ بالبصيرة، وإذا تحول المتن المحفوظ إلى فهم يوجه العبادة، ويضبط المعاملة، ويقوم الحكم على الأشياء، ولهذا أيضا كان أئمة الحديث يجمعون بين الرواية والدراية، ويرون أن الاقتصار على الحفظ من غير فهم قد يحبس طالب العلم عند الظاهر، في حين أن قراءة الشروح تكشف له أسباب الورود، ووجوه الاستنباط، وما بين الأحاديث من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واتفاق واختلاف.

 

وعلاوة على ذلك، تتأكد قيمة قراءة كتب الحديث حين تكون القراءة في الأصول المعتمدة التي تلقتها الأمة بالقبول، وفي مقدمتها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ثم ما صح من دواوين السنة الأخرى بحسب تصحيح أهل العلم، فهذه الكتب لا تقدم مادة دينية فحسب، بل تؤسس لدى القارئ ملكة التثبت والانضباط في النقل، ولا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أشد التحذير من الكذب عليه بقوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وهو متفق عليه، ومن هنا كانت القراءة في الكتب الصحيحة حماية للعقل والدين معا، لأنها تصون طالب العلم من الأخبار الواهية، وتدربه على احترام منهج المحدثين في النقد والتمييز، وهو منهج يعد من أدق المناهج العلمية التي عرفها التراث الإسلامي.

 

ولا تكتمل الإفادة من كتب الحديث إلا بقراءة شروحها المعتمدة، لأن الشرح هو الجسر الذي ينقل القارئ من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، ومن المعرفة المجملة إلى الفقه الراسخ، ولذلك كانت شروح مثل «فتح الباري» لابن حجر و«شرح النووي على صحيح مسلم» من أنفس ما خدم السنة، إذ بينت غريب الحديث، وحررت مواضع الخلاف، وجمعت بين الروايات، واستخرجت الأحكام والآداب والعقائد، كما أن هذه الشروح تعلم الطالب كيف يفكر بعقلية علمية منضبطة، فلا يقتطع نصا من سياقه، ولا يعارض بين حديثين قبل النظر في وجوه الجمع، ولا يبني حكما قبل فهم مقاصد الباب وأقوال الأئمة فيه، وبهذا المعنى تصبح قراءة الشروح امتدادا ضروريا لحفظ المتون، لا عملا زائدا يمكن الاستغناء عنه.

 

وملازمة الحديث قراءة وحفظا وشرحا تترك آثارا تربوية وروحية عميقة، لأن القارئ لا يتعامل مع نصوص تاريخية جامدة، بل يصاحب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عبادته وسمته وعدله ورحمته، وهذا اللون من الصحبة المعرفية يرقق القلب، ويهذب اللسان، ويصحح التصورات، ويدفع إلى الاقتداء العملي، كما أن سلوك طريق تعلم السنة داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»، وقد أخرجه مسلم، وحين يقرأ الطالب كتب الحديث وشروحها بهذا الوعي، فإنه لا يزداد علما فقط، بل يزداد قربا من معاني النبوة، واتصالا بأخلاقها، واستعدادا لتبليغها للناس على بصيرة.

 

وفضل حفظ الأحاديث وقراءة كتبها وشروحها فضل مركب، يجمع بين شرف التلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعة الاشتغال بالعلم الصحيح، وأثر ذلك في الفرد والمجتمع، غير أن هذا الفضل لا يثمر ثمرته الكاملة إلا إذا قام على الإخلاص، وصحة المصدر، والتدرج في الطلب، والرجوع إلى أهل العلم، والعمل بما يثبت ويصح، فليس المقصود أن يكثر المرء من النصوص في ذاكرته فحسب، بل أن تتحول السنة في وعيه إلى منهج فهم، وفي قلبه إلى باعث محبة، وفي سلوكه إلى صورة اتباع، وعندئذ يصبح حفظ الحديث وقراءة كتبه وشروحه من أنفع ما يبني العقل المسلم، ويصون هويته، ويصل حاضره بنور النبوة الصافي.

Author: ibn alislam

اترك تعليقاً