البدع المنتشرة في شهر صفر

إن دراسة البدع والمحدثات في الدين تعد من أهم المباحث التي عني بها علماء أهل السنة والجماعة، وذلك صيانة للشريعة الغراء من كل ما يشوبها أو يخرجها عن نقائها وصفائها، ومن بين الشهور التي ارتبطت بها بعض الاعتقادات والممارسات المخالفة لهدي النبوة شهر صفر، الذي كان محلاً للتشاؤم والتطير في الجاهلية، واستمرت بعض هذه المظاهر في صور مختلفة بعد الإسلام، مما استدعى من العلماء بيان حقيقة هذه البدع وتفنيدها استنادًا إلى النصوص الشرعية الصحيحة، وذلك لترسيخ العقيدة السليمة في قلوب المسلمين، وتحريرهم من أسر الخرافات والأوهام التي لا أساس لها في دين الله القويم.

لقد كان العرب في جاهليتهم يتشاءمون من شهر صفر، ويعتقدون أنه شهر نحس تكثر فيه المصائب والبلايا، فكانوا يتجنبون فيه الزواج والسفر وإبرام العقود، بل وصل بهم الأمر إلى اعتقاد وجود دابة في البطن تسمى صفرًا تؤذي الإنسان، وقد جاء الإسلام ليقضي على هذه الخرافات الجاهلية، ويرسي دعائم التوحيد الخالص، فجاء الحديث النبوي الشريف الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، وهذا الحديث يعد أصلاً عظيماً في إبطال جميع أنواع التشاؤم والتطير، سواء كان ذلك بالزمان أو بالمكان أو بغيرهما، وقد اختلف العلماء في تفسير كلمة «صفر» الواردة في الحديث، فمنهم من ذهب إلى أنها تعني شهر صفر نفسه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل التشاؤم به، ومنهم من رأى أنها تشير إلى داء في البطن كان العرب يعتقدون أنه يعدي، فجاء الحديث لينفي العدوى الذاتية المستقلة عن قدر الله، وذهب آخرون إلى أن المراد به النسيء، وهو تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر، وهي عادة جاهلية كانت تهدف إلى التحايل على الأشهر الحرم، ومهما كان التفسير الراجح، فإن الحديث بمجمله يؤكد على أن الأيام والشهور لا تأثير لها بذاتها في جلب الخير أو الشر، وأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، وأن التشاؤم من أي زمان أو مكان هو من أعمال الجاهلية التي تتنافى مع كمال التوحيد وصدق التوكل على الله.

ومن البدع المنتشرة في هذا الشهر، والتي لا تستند إلى دليل شرعي، إقامة بعض الاحتفالات أو الطقوس الخاصة به، كاعتقاد البعض بوجود يوم معين في صفر يكون فيه نزول البلاء، فيقومون بأعمال معينة لدفع هذا البلاء، أو تخصيص أدعية معينة لم ترد في السنة النبوية، أو الاحتفال بما يسمى بـ «آخر أربعاء من صفر»، واعتقاد أنه يوم فرح ونجاة، وكل هذه الممارسات تعد من البدع المحدثة التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام، ولا التابعون لهم بإحسان، وهي تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فالمسلم الحق هو الذي يلتزم بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، ويجتنب كل ما خالفهما من أقوال أو أفعال، ويسلم أمره كله لله تعالى، ويعلم أن النفع والضر بيده وحده، وأن الأقدار كلها بيد الخالق المدبر، فلا يتشاءم من زمان ولا مكان، ولا يعتقد في شيء من ذلك إلا ما دل عليه الشرع الحنيف.

إن التحذير من هذه البدع ليس مجرد تفصيل فقهي، بل هو جزء لا يتجزأ من صيانة العقيدة الإسلامية من الشركيات والخرافات، فالتشاؤم والتطير يفتحان بابًا للتعلق بغير الله، ويوهنان عقيدة التوحيد في النفوس، ويصرفان المسلم عن التوكل الصادق على ربه، كما أنهما يؤديان إلى القلق والخوف الدائم من المجهول، بينما الإسلام جاء ليحرر الإنسان من هذه القيود، ويدعوه إلى الطمأنينة والسكينة والثقة المطلقة في قضاء الله وقدره، فالمسلم يؤمن بأن كل ما يصيبه من خير أو شر هو بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن عليه أن يأخذ بالأسباب المشروعة، ويتوكل على الله في جميع أموره، دون أن يلتفت إلى أي خرافات أو بدع تتعلق بالأيام أو الشهور أو غيرها من المخلوقات، فكلها لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فكيف تملكه لغيرها.

وأخيراً: شهر صفر كسائر الشهور لا يحمل في ذاته شؤمًا ولا بركة خاصة، وأن ما ارتبط به من بدع واعتقادات إنما هو من مخلفات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، وعلى المسلم أن يكون على بصيرة من دينه، وأن يتبع ما جاء في الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وأن يحذر من الابتداع في الدين، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فالعلم الشرعي الصحيح هو الحصن المنيع الذي يحمي المسلم من الوقوع في البدع والخرافات، ويجعله ثابتًا على صراط الله المستقيم، مستقيمًا على هدي نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والله أعلم بالصواب.

 

Author: ibn alislam

اترك تعليقاً