يعدّ الترويح عن النفس حاجة إنسانية أصيلة، لا ترفاً هامشياً ولا لوناً من اللهو المنفصل عن منهج الدين، بل حقاً من الحقوق التي اعتبرتها الشريعة ووجّهت نحو ما يحقق للإنسان توازنه النفسي والبدني؛ إذ إن النفس البشرية، بطبيعتها التي فطرها الله عليها، لا تحتمل دوام الجدّ والشدّة دون فترات من الراحة والانبساط تعيدها إلى نشاطها، وقد جاءت السنة النبوية معتَرضةً للأطروحة التي تجعل التدين نقيضاً للفرح، فأرست مبدأ الاعتدال الذي يجعل للجدّ وقتاً، وللروح وقتاً تستجمّ فيه ضمن دائرة المباح، وبهذا يتبين أن الترويح ليس استثناءً على مسار الالتزام، بل جزء من فقه بناء الإنسان السويّ القادر على الاستمرار في العبادة والعلم والعمل.
ويؤسّس هذا التصور على قاعدة شرعية دقيقة تجلّت في هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين قرّر سلمان الفارسي رضي الله عنه على ما رآه من إفراط أبي الدرداء في العبادة وإهماله حقّ نفسه وأهله، فقال له: «إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه»، فصدّق النبي صلى الله عليه وسلم قول سلمان وأقرّه عليه، كما روى ذلك الإمام البخاري في صحيحه؛ مما يدل على أن العناية بالنفس والأهل ليست تنازلاً عن مقتضى التدين، بل هي في حقيقتها أداء لحقوق أقرّها الشرع، وأن الحرمان المتعمّد للنفس من حظها المباح قد يكون إخلالاً بهذا التوازن الذي رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فالنفس تحتاج إلى ما يصلح شأنها، والبدن إلى ما يقوّيه ويجدّد طاقته، والأهل إلى ما يحفظ مودّتهم ويقيم العشرة بينهم، وكل ذلك مندرج في معنى العبادة عند من يحسن القصد ويلتزم الحدّ.
ومن أعمق النصوص في هذا الباب ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حنظلة الأسيدي رضي الله عنه، حين شكا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تقلّب حاله بين حفظ الإيمان عند مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ونسيانه حين يعود إلى أهله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ساعة وساعة»؛ فجعل صلى الله عليه وسلم للقلب أحوالاً تتقلب بين الجدّ والاسترخاء في حدود الإيمان، ولم يطلب منه دوام الحالة الواحدة التي لا تطاق، وفي هذا أصل بليغ في فقه التربية النفسية، إذ إن النفس إذا كُلّفت الاستمرار على وتيرة واحدة من الشدّة انقطعت أو كلّت، وإذا أُعطيت حظها من الاستجمام المباح عادت إلى جدّها أصفى وأقدر على الثبات، فالترويح هنا ليس انقطاعاً عن الطريق، بل محطة تقوّي السائر فيه وتمنحه استمراره.
وتتجلى سماحة هذا المنهج في نماذج عملية رواها أصحاب الصحاح والسنن، تجعل الترويح جزءاً من حياة المجتمع المسلم لا ظاهرة فردية منعزلة؛ فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم من لعب الحبشة بالحراب في المسجد ومشاهدة عائشة رضي الله عنها لهم، حتى يسترها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تنظر، وما رواه الشيخان أيضاً من إنشاد الجاريتين في يوم العيد، حين أراد أبو بكر رضي الله عنه إنكاره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهما»، وفي الصحيحين كذلك قوله صلى الله عليه وسلم للصبي أبي عمير وقد مات طيره الذي كان يأنس به: «يا أبا عمير ما فعل النغير»؛ ففي هذه النصوص دلالة واضحة على أن السيرة النبوية عرفت الفرح المباح، واللهو البريء، والمزاح اللطيف الذي لا كذب فيه ولا أذى، وأن الوقار الديني لا يتنافى مع الانبساط في موطنه، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يمازح أصحابه ويرفق بالصغار، فأسّس بذلك لتصور متكامل لا جمود فيه للروح ولا قسوة في الطبع.
ولا تقتصر ثمرة الترويح على راحة آنية، بل تتعداها إلى آثار ذات قيمة في بناء الإنسان وتحصين توازنه؛ فهو يجدّد النشاط بعد الكلال، ويدفع السآمة التي تعرض للنفس عند تكرار الأعمال، ويحفظ الصحة النفسية بما يبثه في القلب من انشراح، ويقوّي الروابط الأسرية والاجتماعية حين يقترن بالاجتماع والأنس، ويرفع القدرة على العلم والعمل والعبادة بإعادة النشاط إلى الذهن والجسد، وقد تجلّى ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في الصحيحين، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً»؛ فجعل في إعطاء البدن حقه من الراحة إتماماً للدين لا نقصاً فيه، فالمتعبد المنهَك لا يؤدي عبادته على كمالها، والمتكلّف ما لا يطيق سرعان ما ينقطع، أما من راعى في نفسه التوازن فقد جمع بين الإخلاص والإتقان.
ولما كان الترويح حقاً مقرراً، فقد أقامت الشريعة له ضوابط تحفظه في دائرة المقصد الشرعي، فلا يكون ترويحاً مشروعاً ما اشتمل على محرم، ولا ما أضاع واجباً أو أخّر فرضاً، ولا ما أفضى إلى ضرر في النفس أو المال أو العرض، كما لا ينبغي أن يتحول إلى إسراف ومبالغة تخرجه عن حدّ الاعتدال إلى اللهو المستغرق والغفلة الدائمة؛ وكذلك يُشترط فيه أن يخلو من السخرية بالناس، ومن الكذب في المزاح، ومن انتهاك الحقوق أو إيذاء المشاعر، فالترويح المقبول هو ما روعي فيه جانب الإباحة الأصلية، وحقيقته أن يكون مما يصلح القلب ولا يفسده، ويقرّب من الله ولا يباعد عنه، فيعود صاحبه إلى جدّه وقد صفت سريرته واعتدل مزاجه.
وخلاصة القول أن الترويح المنضبط جزء من فقه العمران النفسي في الإسلام، يصون الإنسان من الجمود، ويحفظ توازنه بين تكاليف الحياة وفطرته التي تحتاج إلى الأنس والاستجمام؛ فإذا أُعطيت النفس حظها المباح على الوجه الذي رسمته السنة، عادت إلى الجدّ أصفى وأقدر، وانتفى ما يتوهمه البعض من تعارض بين جدّ الدين ورفاهية الروح، إذ الثابت في كتب أهل السنة والجماعة المعتمدة أن النبي صلى الله عليه وسلم سنّ لأمته التوازن، فأقرّ إعطاء كل ذي حق حقه، وعلّمها أن للجدّ ساعة وللقلب ساعة، فبهذا التصور المتكامل يستقيم أمر الدنيا والدين معاً.