الغيرة بين الإفراط والتفريط

في الحديث أن سَعدُ بنُ عُبادةَ رضي الله عنه قال: لو رَأيتُ رَجُلًا مع امرَأتي لَضَرَبتُه بالسَّيفِ غَيرَ مُصفِحٍ عنه، فبَلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أتَعجَبونَ مِن غَيرةِ سَعدٍ، فواللَّهِ لأنا أغيَرُ منه، واللهُ أغيَرُ مِنِّي! مِن أجلِ غَيرةِ اللهِ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شَخصَ أغيَرُ مِنَ اللهِ، ولا شَخصَ أحَبُّ إليه العُذرُ مِنَ اللهِ، مِن أجلِ ذلك بَعَثَ اللهُ المُرسَلينَ مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ، ولا شَخصَ أحَبُّ إليه المِدحةُ مِنَ اللهِ، مِن أجلِ ذلك وعَدَ اللهُ الجَنَّةَ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ يَغارُ، وإنَّ المُؤمِنَ يَغَارُ، وغَيرةُ اللهِ أن يَأتيَ المُؤمِنُ ما حَرَّمَ اللهُ».

الغيرة خُلُق كريم من أخلاق الإنسان، بطبيعة فطرته وإنسانيته، خُلق جاءت النصوص الشرعية بتهذيبه وتوجيهه، ليكون فضيلة تحفظ الحرمات وتصون القيم، لا فتنة تفسد العلاقات وتُشيع الشكوك، خُلُق يمس صميم العلاقة بين العبد وربه، وبين الإنسان وأهله، وبين الفرد والمجتمع.

وميز الإسلام بين الغيرة المحمودة التي تُعدّ فضيلة، والغيرة المذمومة التي تتحول إلى رذيلة، فالغيرة المحمودة هي التي تقوم على ريبة حقيقية، أو خشية مشروعة، أو حرص صادق على صيانة العرض والبيت والكرامة، أما الغيرة المذمومة، فهي تلك التي تتحول إلى شك دائم، وتتبع للزلات، وافتئات على الأبرياء.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا التمييز بوضوح، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ منَ الغَيرةِ : ما يحبُّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ، ومنها ما يُبغِضُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ، ومنَ الخُيلاءِ : ما يحبُّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ، ومنها ما يبغضُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ، فأمَّا الغَيرةُ الَّتي يحبُّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فالغَيرةُ في الرِّيبةِ ، وأمَّا الغَيرةُ الَّتي يبغضُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فالغَيرةُ في غيرِ ريبةٍ».

ولم تكن الغيرة غائبة عن بيت النبوة، بل ظهرت في مواقف متعددة، مما يؤكد على طبيعتها البشرية، ومع ذلك، كانت الرحمة والحلم والتوجيه هي السائدة في التعامل معها، فعندما قال النبي صلى الله عليه وسلم في القصة المشهورة: «غارت أمكم» ، لم يكن في العبارة تهوين من شأن الغيرة، بل كان فيها فهم لطبيعة النفس البشرية حين تشتد بها المشاعر، مع التأكيد على ضرورة التعامل معها بحكمة وعقلانية.

إن الغيرة في السنة النبوية ليست قيوداً على الحب، بل هي إحدى لغاته الصادقة، فالمحب يغار لأنه يرى محبوبه جديرًا بالحفظ والصيانة، ولا يرضى له الدنيّة، ويشعر أن ما يحبه ليس شيئًا عابرًا يمكن التفريط فيه.

  • Related Posts

    التكيف مع الظروف او الاستسلام للواقع
    • أغسطس 24, 2026

    في ظروف الحياة المتقلبة قد يجد الإنسان نفسه في مكان لم يكن يتخيل أن يصل إليه،حين تتغير ظروفه فجأة: فيخسر عملًا أو مشروعًا أو علاقة، أوتتبدل أشياء كان يظن أنها ستبقى كما هي، فيشعر أن حياته خرجت من يده، ويحاول أن يقاوم ما حدث وأن يعيد الأمور إلى شكلها السابق، لكن بعض الأشياء حين تتغير لا تعود كما كانت، مهما حاول.  في هذه اللحظة يصبح أمامه…

    Continue reading
     الترويح عن النفس في ضوء كتب أهل السنة والجماعة
    • يوليو 19, 2026

      يعدّ الترويح عن النفس حاجة إنسانية أصيلة، لا ترفاً هامشياً ولا لوناً من اللهو المنفصل عن منهج الدين، بل حقاً من الحقوق التي اعتبرتها الشريعة ووجّهت نحو ما يحقق للإنسان توازنه النفسي والبدني؛ إذ إن النفس البشرية، بطبيعتها التي فطرها الله عليها، لا تحتمل دوام الجدّ والشدّة دون فترات من الراحة والانبساط تعيدها إلى نشاطها، وقد جاءت السنة النبوية معتَرضةً للأطروحة التي تجعل التدين نقيضاً…

    Continue reading

    اترك تعليقاً