الانتقال إلى المحتوى
الموقع الشخصي لـبشير بن نعمان دحانخلاصة المقالات RSS

الصدق حين تكون الكذبة مريحة

وقت القراءة: 2 دقائق تقريبًاالكاتب في سجل الموقع: ibn alislam
مدة القراءة التقريبية: 2 دقائق

يسهل على الإنسان أن يمدح الصدق حين لا يترتب عليه شيء، أما الامتحان الحقيقي فيبدأ عندما تكون الحقيقة محرجة، أو يكلف الاعتراف بها اعتذارًا، أو يضيع بسببه ثناء كان ينتظره، عندئذ تظهر المسافة بين معرفة الخلق والقدرة على العمل به

قد يتأخر موظف عن موعده فيجد عذرًا جاهزًا يلقي به المسؤولية على غيره، وقد ينقل طالب معلومة لم يتحقق منها ثم يكتشف خطأها فيتردد في التصحيح، وقد يعد المرء صديقه بأمر لا يستطيع إنجازه ثم يواصل التسويف خشية أن يقول لا أقدر، هذه مواقف متباينة يجمعها أن الكلمة غير الصادقة تبدو أقصر طريق للخروج من ضيق مؤقت

لكن الراحة التي تصنعها الكذبة قصيرة غالبًا، إذ يحتاج صاحبها إلى تذكر ما قال، وقد يضطر إلى إضافة تفسير جديد ليحمي التفسير الأول، فتزداد المسافة بينه وبين الواقع، أما الاعتراف المبكر بالخطأ فينهي هذا العبء، ولو صاحبه لوم في البداية

والصدق ليس مرادفًا لكشف جميع الأسرار، فلكل إنسان خصوصية لا يلزمه نشرها، ومن حقه أن يعتذر عن الإجابة عن سؤال متطفل، أو أن يختار عبارة موجزة لا تظلم أحدًا، والفرق ظاهر بين الامتناع عن بيان ما لا يجب بيانه وبين اختلاق واقعة لم تحدث، فحفظ الستر لا يبيح التعدي على الحقيقة أو حقوق الآخرين

ومن صور الصدق التي يغفل عنها المرء الدقة في النقل، فمن سمع عبارة في سياق معين ثم حذف ما يوضح معناها فقد يورث السامع فهمًا مخالفًا لمقصود القائل، ولو لم يزد كلمة واحدة من عنده، وكذلك من نقل خبرًا بوصفه يقينًا وهو لم يتجاوز عنده احتمالًا، فإن الأمانة تقتضي أن يبين درجة علمه به

وليس كل من أخطأ في خبر متعمدًا للكذب، فقد يختلط عليه أمر أو ينسى تفصيلًا، ولهذا ينبغي الفصل بين تصحيح المعلومة والحكم على نية قائلها، وفي المقابل لا يكون حسن القصد عذرًا لترك التصحيح بعد ظهور الخطأ

ومن أراد تدريب نفسه على الصدق فليبدأ بمواقف يسيرة، أن يقول لا أعلم حين يجهل، وأن يحدد ما يستطيع الوفاء به قبل أن يعد، وأن يراجع ما ينقله قبل إرساله، وأن يعتذر عن خطأه من غير تحميله لمن لم يرتكبه

تتراكم الثقة مع الأيام من هذه الأفعال الصغيرة، وقد لا يذكر الناس كل عبارة صادقة سمعوها، لكنهم يجدون في صاحبها طمأنينة حين يتعلق الأمر بحق أو خبر أو وعد

أدوات القراءةمشاركة بواتساب

مقالات ذات صلة