اللعن.. تعريفه وبعض أحكامه

أولًا: تعريف اللعن عند أهل العلم

اللعن هو الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وهو من الله في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع عن رحمته وتوفيقه، ومن العبد دعاءٌ بسلب الرحمة.

– وعرّفه عدد من الأصوليين بأنّه: إبعاد الملعون عن رحمة الله وكرامته، فهو غاية العقوبة المعنوية، ولذلك عُدَّ من دلائل كون الفعل من الكبائر إذا رُتِّب عليه اللعن في نصٍّ شرعي.

ثانيًا: مواضع مادة (ل ع ن) في القرآن

– تدور مادة اللعن في القرآن حول 30–40 موضعًا تقريبًا، وغالبها خبر عن لعن الله لأقوام أو أصناف مخصوصة من الناس، لا تشريع للناس أن يتلاعنوا بينهم.

– من أمثلتها: قوله تعالى في الكاتمين للحق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا… أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ البقرة 159، وقوله في القاتل عمدًا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ… وَلَعَنَهُ اللَّهُ﴾ النساء 93.

أصناف الملعونين في القرآن الكريم

  1. الكافرون عمومًا

– مثال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ الأحزاب 64.

– ومثل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة 89.

  1. الكاتمون للحق والعلم

– مثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى… أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ البقرة 159.

  1. الكاذبون (المباهِلون واللاعِنون على الكذب)

– مثال في المباهلة: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا… ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ آل عمران 61.

  1. القاتل عمدًا

– مثال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ… وَلَعَنَهُ اللَّهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ النساء 93.

  1. الناقضون للعهد والميثاق

– مثال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ المائدة 13.

  1. المحرِّفون لكلام الله

– يدخلون في الآية السابقة نفسها: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ في سياق قوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ المائدة 13.

  1. المؤذون لله ورسوله

– مثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ الأحزاب 57.

  1. المنافقون والمنافقات

– مثال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ… لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ التوبة 68.

  1. قاذفو المحصنات

– مثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النور 23.

  1. الظالمون

– مثال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ الرعد 35.

  1. أهل النار يوم القيامة

– مثال: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ الأعراف 38.

– ومثل: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ هود 18 في سياق أهل النار.

ثالثًا: ضوابط اللعن في ضوء السنة الصحيحة

  1. النهي عن كثرة اللعن

– جاء عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا يَكونُ المؤمنُ لَعَّانًا» رواه الترمذي وأحمد بإسناد صحيح، وهو أصل في منع اتخاذ اللعن خُلُقًا وعادة للمؤمن.

– وفي حديث آخر: «لا ينبغي لِصِدِّيق أن يكونَ لَعَّانًا» في قصة أبي بكر حين لعن بعض رقيقه فأنكر عليه النبي ﷺ، فندم وأعتق بعضهم وتاب من ذلك.

  1. بيان خطورة اللعن على الأفراد

– من الأحاديث المشهورة: «سبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ» متفق عليه، وقد عدّ العلماء إدخال اللعن في سباب المسلم من جملة ما يدخل في الفسوق وخبث اللسان.

– وفي حديث آخر صحيح: «إنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ من سخطِ اللهِ لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم» وجعل بعض الشراح من أمثلة ذلك الكلمةَ المشتملةَ على لعنٍ وظلمٍ للمؤمن.

رابعا: اللعن من الكبائر وآثاره

– قرر العلماء أن ورود اللعن في نصٍّ على فعلٍ أو فاعله علامة على أنه من الكبائر، لأن اللعن يدل على الطرد من الرحمة، وهذا لا يترتب إلا على ذنب عظيم.

– لذلك عُدَّت الذنوب التي استُحِقَّ عليها اللعن في النصوص – كأكل الربا، وشهادة الزور، وتغيير منار الأرض، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات – من أعظم الذنوب الموبقة، كما نص على ذلك جمع من شراح الصحيحين.

أحكام لعن المعيَّن.

  1. التفريق بين العموم والتعيين

– لعن أهل الكفر أو المعاصي على سبيل العموم (لعنة الله على الكافرين، على الظالمين، على شارب الخمر…) جائز عند أهل العلم.

– لعن الشخص بعينه (فلان بن فلان) هو «لعن المعيَّن»، وهذا هو محلّ التشديد والخلاف.

  1. متى يجوز لعن المعيَّن؟

– يُستثنى ممَّن يجوز لعنه بعينه من نصّ الشرع على لعنه أو على موته على الكفر: مثل إبليس، وفرعون، وأبي لهب، وأبي جهل، فهؤلاء نصوص الكتاب والسنّة دلّت على كفرهم وخاتمتهم.

– نقل ابن مفلح: «ويجوز لعن من ورد النص بلعنه، ولا إثم عليه في تركه»؛ أي أن الجواز لا يعني الاستحباب.

  1. حكم لعن المعيَّن الذي لم يرد نص باسمه

– الكافر أو الفاسق المعيَّن الذي لم يرد باسمه نص: 

  – نُقل عن العلماء ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، الجواز في الكافر دون الفاسق، الجواز مطلقًا.

  – رجّح جمع من المحققين المعاصرين المنع من لعن المعيّن – مسلمًا كان أو كافرًا – لاحتمال التوبة، وللنصوص في كفّ اللسان عن اللعن، وأن يُكتفى باللعن العام.

  1. تعليل المنع من لعن المعيَّن

– اللعن دعاء بالطرد من رحمة الله، ولا يُدرى خاتمة هذا الشخص: قد يتوب الكافر، وقد يُختم للفاسق بخير؛ والأعمال بالخواتيم.

 

  • Related Posts

    إن لنفسك عليك حقا
    • أغسطس 27, 2026

    في جلسات الأسرة والأصدقاء، لا يبقى في الذاكرة عدد الساعات التي قضيناها معًا بقدر ما يبقى الشعور الذي حملناه معنا بعد انتهاء اللقاء. فالنكتة اللطيفة، أو ذكر موقف مضحك، و لا سيما حين يكون نابعًا من موقف يعيشه الجميع،  يتفقمع الهدي الإسلامي؛ فالمزاح لا يُطلب لذاته، بل يُقبل حين يبقى صادقًا ولطيفًا ويحفظ كرامة الجالسين. وقد نُقل عن النبي ﷺ قوله: «إني لأمزح ولا أقول إلا…

    Continue reading
    فضل التبكير وانتظار الصلاة..
    • يوليو 10, 2026

    تُعد الصلاة عماد الدين في الإسلام وأول ما يُحاسب عليه المرء؛ ولذلك حظيت منزلة التبكير إليها والمكث في المسجد لانتظارها بمكانة رفيعة في نصوص الشريعة الإسلامية، حيث يتجلى في هذا السلوك صدق الإيمان وتعلق القلب ببيوت الله، وهو ما يُصنف ضمن أعظم القربات التي تُهذب النفس وتفصلها عن صخب الحياة المادية المليئة بالمشاغل لكي تسكن في رحاب الطمأنينة والخشوع، فقد وردت نصوص نبوية صحيحة وثقتها دواوين…

    Continue reading

    اترك تعليقاً