بر الوالدين بعد الوفاة:
إن العبادات في الشريعة الإسلامية لا تنحصر في مواقيت زمنية محددة تزول بزوال أحوالها، بل هي منهج ممتد يرافق العبد في أطواره كلها.
ومن أعظم هذه الطاعات وأجلها قدرًا بر الوالدين، الذي قرنه الله سبحانه وتعالى بحقه في التوحيد والعبادة في مواضع شتى من كتابه الكريم.
وإذا كان البر في حياة الوالدين يدور حول الطاعة والنفقة والخدمة وخفض الجناح، فإن المحك الحقيقي لعمق الوفاء وصفاء الإيمان يتجلى في برهما بعد غيابهما عن هذه الدنيا وانتقالهما إلى دار البرزخ؛ حيث ينقطع عملهما وتشتد حاجتهما إلى نفحات الإحسان من أولادهما.
يخطئ من يظن أن إغلاق القبر على المرء ينهي مسؤوليته تجاه والديه، أو أن الموت يقطع حبال الصلة بين الأبناء والآباء.
إن عقيدة أهل السنة والجماعة تقرر أن أرواح الأموات تنعم أو تعذب في البرزخ، وأنها تحس وتنتفع بما يصل إليها من هدايا الأحياء. فالبر بعد الموت هو تجسيد للحب الخالص والوفاء الصادق الذي لا تشوبه شائبة من رياء أو مصلحة دنيوية، لأن العبد هنا يعطي من لا يرجو منه رداً ولا ثناءً في الدنيا، وإنما يبتغي وجه الله والدار الآخرة.
أدلة الكتاب والسنة على امتداد البر بعد الموت
جاءت الآيات القرآنية لتبين أن الدعاء للوالدين عبادة ملازمة للمؤمن في حياتهما وبعد وفاتهما. يقول الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”. ويشير المفسرون، ومنهم الإمام القرطبي في جامعه، إلى أن هذا الأمر بالدعاء بالرحمة عام لا يتقيد بحال الحياة، بل هو آكد بعد الموت لأن الميت أحوج ما يكون إلى رحمة الله ومغفرته. ومن شواهد القرآن العظيم على جريان استغفار الأنبياء لآبائهم ما حكاه الله عن نوح عليه السلام في قوله: “رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا”، وما قاله إبراهيم عليه السلام: “رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ”.
هذه الأدعية الخالدة التي حفظها الوحي تدل دلالة قاطعة على أن الاستغفار للوالدين منهج أصيل وسنة متبعة لدى الأنبياء والصالحين.
وقد زخرت السنة النبوية المطهرة بالأحاديث الصحيحة التي تؤصل لبر الوالدين بعد موتهما، وتوضح ما يلحق الميت من أعمال ولده. من ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.
وتأمل هذا الحديث يوقفنا على أصل عظيم، فالولد من كسب أبيه وسعيِه، كما جاء في الحديث الآخر: “إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه”. لذلك جعل الشارع دعاء الولد الصالح مستثنى من الانقطاع، لأن تربية الوالد لولده وتوجيهه نحو الصلاح هي التي أثمرت هذا الدعاء.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك”.
يوضح هذا النص أن العبد قد يرتفع في غرف الجنان درجات لم يبلغها بعمل بدني منه، وإنما بلغها بفضل استغفار ابنه له وهو في قبره. وقد جاء رجل من بني سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما”. والصلاة عليهما هنا تعني الدعاء لهما، كما هو معلوم في لغة الشرع.
الصور المشروعة للبر وضوابطها عند أهل السنة
قسم علماء أهل السنة والجماعة الأعمال التي تصل إلى الميت وينتفع بها وتعد من البر به إلى واجبات مالية ومستحبات تعبدية. وتأتي في مقدمة ذلك قضاء الديون والنذور والواجبات الشرعية؛ فالدين حابس للميت، ونفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه.
لذا، فإن أول ما يبدأ به الولد بعد وفاة والديه هو البحث عن ديونهما وقضاؤها من التركة أو من مال الولد الخاص. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: “إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء”. فالقضاء هنا يشمل ديون العباد من أموال وأمانات، وديون الله من كفارات ونذور وصيام واجب وحج.
يلي ذلك الدعاء والاستغفار، وهو هدي الأنبياء وشعار الصالحين، وأيسر البر مسلكاً وأعظمه أثراً.
ويحرص الابن البار على ألا يغيب والداه عن دعواته في سجوده، وفي خلواته، وفي مواطن الإجابة كجوف الليل وخلال خطبة الجمعة وعند نزول المطر. والاستغفار طلب لمحو الذنوب، والدعاء طلب لرفع الدرجات والوقاية من عذاب القبر وعذاب النار.
ومن الصور الثابتة أيضاً الصدقة الجارية والمالية، ومما أجمع عليه علماء المسلمين أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت وتنفعه. في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم”.
وفي حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه لما ماتت أمه وهو غائب، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله إن أمي ماتت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها”.
ويتنوع بذل الصدقة بين حفر الآبار، وبناء المساجد، وطباعة المصاحف، وكفالة الأيتام، وسقاية الماء التي جعلها النبى صلى الله عليه وسلم من أفضل الصدقات.
ولا تقتصر الشريعة في البر على الجوانب التعبدية المحضة، بل تشمل صلة رحم الوالدين وإكرام أصدقائهما. وهذه من دقائق البر اللطيفة التي تغيب عن كثيرين، كصلة القرابات التي لا تتصل بالعبد إلا عن طريق الأبوة والأمومة، كالأعمام والعمات والأخوال والخالات. روى الإمام مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لَقِيَهُ رجلٌ من الأعراب بطريق مكة، فسلَّم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار لعبد الله: أصلحك الله، إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: “إن أب هذا كان وداً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه”. إن إكرام أصدقاء الوالدين وزيارتهم وتفقد أحوالهم بعد وفاتهما هو ذروة الوفاء، وامتداد لعهدهما ومجالسهما في الدنيا.
وفي مقابل هذه الصور المشروعة، وضع علماء أهل السنة والجماعة قواعد صارمة لرفض الابتداع في هذا الباب، تقيداً بالضوابط الشرعية وما ورد به الأثر، فالأصل في العبادات التوقيف.
ومن هنا أنكر العلماء بعض المحدثات والبدع التي انتشرت بين الناس وظنوا أنها من البر، وهي ليست منه.
من ذلك الاجتماع للمآتم، وقراءة القرآن بالأجر وهبة ثوابه للميت في الأربعين السنوية أو في ذكرى الوفاة، فهذه الأفعال لم تكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل أصحابه الكرام ولا التابعين لهم بإحسان.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله إن القراءة لا يصل ثوابها إلى الميت لأنها ليست من سعيه ولا عمله، وإنما الذي يصل هو ما ورد به النص كالدعاء والصدقة والحج. وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى جواز إهداء ثواب القراءة إذا كان متبرعاً بها دون أجر أو تكلف، لكنهم اتفقوا على أن الدعاء والاستغفار والصدقة أفضل وأقرب للسنة وأسلم من المحدثات.
إن الحزن على فراق الوالدين أمر جِبِلِّي فطري، دمعت منه عين المصطفى صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم فقال: “إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا”.
أما النياحة، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية، والاعتراض على القضاء، فكلها كبائر تحرم على العبد وتؤذي الميت في قبره كما جاء في الحديث: “إن الميت يعذب في قبره بما نِيح عليه”.
فالبر الحقيقي هو الصبر والاحتساب والرضا بقضاء الله وقدره، وتحويل طاقة الحزن واللوعة إلى عمل صالح ودعاء مستمر يستفيد منه الراحل في برزخه.
ويتعدى أثر هذا البر الممتد الجانب الغيبي ليصل إلى الأثر التربوي والسلوكي على الأبناء في الدنيا؛ فالجزاء من جنس العمل، وبر الوالدين سلف ودين.
إن الابن الذي يقف على قبر والديه مستغفراً، ويمشي في حاجة أصدقائهما واصلاً لرحمهما، يقدم نموذجاً عملياً حياً لأولاده. فالأبناء يرقبون أفعال آبائهم، وكما تدين تدان.
ومن بر والديه في حال موتهما، رزقه الله أولاداً يبرونه في حياته ويدعون له بعد وفاته.
وتتغير أحوال الدنيا، وتبلى الأجساد، وتندثر المعالم، لكن الكلمة الطيبة والدعاء الصالح يظلان محلقين في السماء. إن البر بعد الموت ينقي النفس البشرية من الأنانية، ويزيد من صلتها بالآخرة، ويجعل العبد دائم الذكر للموت والرحيل، فيستعد للقاء الله بالعمل الصالح. المقابر صامتة في ظاهرها، لكنها تتلقى عطايا الأحياء بشوق وفرح، وما أجمل أن يكون للعبد سهم يومي من دعاء أو استغفار يضيء به قبوراً كانت سبباً في وجوده في هذه الحياة.
البر بالوالدين بعد رحيلهما ليس نافلة من القول أو ترفاً سلوكياً، بل هو واجب شرعي وأخلاقي، ودليل على صدق العهد وحسن الوفاء. إن العبد الموفق هو من يمسك بزمام المبادرة فلا ينسى من ربياه صغيراً، ولا يبخل عليهما بدعوة في سحر، أو صدقة في سر، أو صلة لرحم ممتدة. فليتق الله كل مسلم في والديه الراحلين، وليعلم أن باب الإحسان إليهما لا يزال مفتوحاً، وأن حبل الصلة متين ما دام في العمر بقية وفي القلب إيمان. نسأل الله أن يغفر لوالدينا، وأن يرحمهما كما ربيانا صغاراً، وأن يلحقنا بهما في جنات النعيم غير خزايا ولا مفتونين.