الضيافة حين يكون العطاء على قدر الاستطاعة
يروي أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك فقال: ( من يضيف هذا الليلة رحمه الله ) فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء ؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأضيئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل قومي إلى السراج حتى تطفئيه قال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( لقد عجب الله من صنيعكما الليلة )
لا تقف دلالة الخبر عند الطعام الذي قدم للضيف، بل تتجاوز ذلك إلى موقف الزوجين من الحاجة، فقد تشاركا القرار وتحمل كل منهما نصيبه من المشقة، فصار المعروف عملًا أسريًا لا مناسبة يطلب فيها أحد الطرفين المديح لنفسه
والإيثار في هذا المقام فعل مخصوص له ظروفه، ولا يصح أن يتخذ ذريعة لتضييع حقوق من تلزم نفقتهم أو لحمل النفس والآخرين على ما لا يطيقون، فالسيرة تربي على الكرم كما تربي على العدل في الحقوق، ومن الخطأ تحويل كل ضيافة إلى منافسة في حجم المائدة أو كلفتها
قد يكون إكرام الضيف بإعداد طعام بسيط حاضر، أو بتهيئة مجلس مريح، أو بحسن الإصغاء، أو بتيسير حاجة جاء من أجلها، ومن الكرم أيضًا ألا يشعر الضيف بأنه عبء، وألا يُحمَّل صاحب البيت ما يعجز عنه لمجرد المحافظة على مظهر اجتماعي
وتكشف القصة عن جانب آخر من أخلاق الضيافة، هو أن حسن الاستقبال قد يكون أثمن عند الزائر من كثرة الأصناف، فالضيف لا يتذكر دائمًا عدد الأطباق، لكنه يتذكر الأمان الذي وجده والرفق الذي لقيه، وتقدير ظروفه دون تعالٍ أو منّة
وفي وقت تتسع فيه مظاهر الاستهلاك، يحتاج المرء إلى إعادة السؤال عن غاية الضيافة، هل المقصود إيناس الزائر وإكرامه، أم إثبات القدرة على الإنفاق، إذا استقرت الغاية الأولى خف التكلف واتسع باب الزيارة وصلة الرحم
فالكرم ليس أن تُظهر كل ما عندك، وإنما أن تبذل المعروف عن طيب نفس، وأن تحفظ في العطاء كرامة الآخذ وحقوق من معك
وللضيف آداب تقابل آداب المضيف، فمن حسن زيارته أن يراعي موعد الزيارة ومدتها، وألا يتفحص خصوصيات البيت، وألا يعلق على ما قُدّم له تعليقًا يحرج أهله، فإذا كان صاحب المنزل قد بذل وسعه ثم قوبل فعله بالمقارنة بغيره، تحولت الزيارة من باب مودة إلى موضع كلفة
وفي بعض البيئات الاجتماعية تتراكم التوقعات حتى يتردد الناس في دعوة الأقارب والأصدقاء، يخشى المضيف نقص المائدة أو شكل المجلس، ويخشى الضيف أنه سيثقل على الأسرة، ولو عاد الطرفان إلى مقصد الإيناس لصارت الزيارات أيسر وأكثر انتظامًا، ولما احتيج إلى الاستعداد الطويل لكل لقاء قصير
والموازنة بين إكرام الضيف ورعاية الأسرة مهمة، فالبيت الذي يفتح أبوابه للمحتاج ينبغي ألا ينسى حق أطفاله وراحته، والاتفاق بين أفراد الأسرة على صورة الضيافة ووقتها وحدود الاستطاعة يرفع كثيرًا من الحرج، ويجعل المعروف قرارًا مشتركًا لا عبئًا يلقى على شخص واحد
ويمكن للمرء أن يكرم زائره دون إسراف بتهيئة المكان، وتقديم المتاح بنظافة وحسن نفس، وإفساح المجال للمحادثة، وقد تكون مساعدة الضيف في أمر يقصده أكثر نفعًا من طعام لا يحتاج إليه، ومن الأدب ألا يجعل المضيف ضيافته وسيلة لمنّ لاحق أو مطالبة بمقابلة مماثلة
أما الإيثار المذكور في الخبر النبوي فله منزلته الخاصة، لأنه وقع مع وجود حاجة حقيقية، ويستفاد منه فضل البذل الذي يراعي وجه الله، من غير أن يطلب من الناس اتخاذ المشقة شعارًا دائمًا أو أن تُهمل بسببها الحقوق الواجبة