الرئيسية / عام / السياسة الشرعية في إدارة الأزمات- عبد الرحمن بن عبد العزيز الجريوي- المعهد العالي للقضاء- جامعة الإمام

السياسة الشرعية في إدارة الأزمات- عبد الرحمن بن عبد العزيز الجريوي- المعهد العالي للقضاء- جامعة الإمام

    أحمد الله في الختام كما حمدته في البدء ، وهو أهل للحمد في كل موطن وكل وقت ، وأشكره على توفيقه وعونه ، وهو المتفضل بالتوفيق والعون والمستحق للشكر عليهما ، وأُثني عليه بما هيَّأه لي من أسباب لإتمام هذا البحث ، وهو وحده المستحق للثناء . وبعد:

    فهذا أوان الانتهاء , ولزم منه ذكر النتائج والتوصيات , أسأل الله سبحانه أن يجعل فيها النفع والخير للإسلام والمسلمين , وأن يصلح فيها النية والقصد .

  • النتائج . يمكن بيان أهم نتائج هذه الدراسة فيما يلي :

1 ـ أن إدارة الأزمات جزء من السياسة الشرعية .

2 ـ وضوح سبق الإسلام ومبادئه في مجال إدارة الأزمات , وصلاحية أحكامه لإدارة الأزمات في كل زمان ومكان .

3 ـ التعريف المختار للسياسة الشرعية هو القول بأنها : فعل شيء لمصلحة معتبرة وإن لم يرد بذلك دليل خاص.

4 ـ ثبوت حجية العمل بالسياسة الشرعية بالأدلة من الكتاب والسنة , والبيان العملي لهذه الحجية في عمل الخلفاء الراشدين بها , واستخدام الفقهاء لمصطلحاتها المعتبرة .

5 ـ أن العمل بالسياسة الشرعية إنما يكون في مجالين :

الأول : أحكام الوقائع التي لا يوجد لها دليل صريح بحكمها في الأدلة الشرعية المعتبرة .

الثاني : الأحكام التي من شأنها ألا تبقى على شكل واحد ، وإنما تختلف باختلاف العصور والأحوال ، وتتبدل بتبدل المصالح ، وتتغير بتغير الظروف والمجتمعات .

6 ـ الأزمة في أبسط مدلولاتها:حالة حرجة تتسارع فيها الأحداث , وتهتز فيها بعض المُسَلَّمات , مما يتطلب جهداً متميزاً لعلاجها والتخفيف من حدتها وتلافي أثرها .

7 ـ الأزمات لم تكن وليدة العصر الحديث , بل كانت ولا زالت موجودة ما وجدت الحياة والأحياء , ومع وجود الأزمات وجدت طرق علاجها , ووسائل التعامل معها. وأما علم إدارة الأزمات فهو ميدانٌ بحثيٌّ جديد لم ينل حظه من الاهتمام العلمي          ( الأكاديمي ) إلا في أوائل الستينات الميـلادية , مما يدل على أنه من العلوم الحديثة نسبيا في مجال الفكر الإداري .

8 ـ  أن للأزمات أصنافاً عدة تختلف باعتبار النظر إليها .

9ـ أن للأزمات سمات وخصائص تتميز بها , تختلف باختلاف نوع الأزمة وحالها. 10ـ الأسس الإدارية الرئيسة لعلم إدارة الأزمات أربعة , هي:التخطيط ـ التنظيم ـ      اتخاذ القرار ـ القيادة ( الرقابة والتوجيه ). ولهذه الأسس الرئيسة ضوابطها المهمة    للمتعامل مع الأزمات , أو الدارس لعلم إدارة الأزمات في باب السياسة الشرعية.

11ـ أن لإدارة الأزمات متطلبات مهمة , يلزم دارسها أو المتعامل معها معرفتها   والعناية بها , وتتمثل هذه المتطلبات في : الإلمام الإجمالي بالأدلة التشريعية , والإلمام   الإجمالي بمداخل العلوم الضرورية ومقدماتها الأساسية , ومعرفة خصائص النظام    السياسي الإسلامي وأثرها في إدارة الأزمات .    

12ـ أن أهم أنواع الأزمات الرئيسة المرتبطة بالسياسة الشرعية أربعةٌ , هي : الأزمات الفكرية , والأزمات السياسية , والأزمات الأمنية , والأزمات الاقتصادية.

13ـ الأزمات الفكرية هي : الصعوبات والشدائد التي تصيب العقل أو التفكير , أو تصيب نتائجهما من المبادئ والقيم , أو تصيب متعلقهما كالعقائد والأديان ، فتؤثر في ذلك أو في بعضه ، بما يُنتج خللاً  أو تشويهاً أو طمساً لشيءٍ من ذلك.

14ـ أن من أوائل الأزمات التي أصابت المسلمين بعد وفاة رسول الله r , أزمة الردة, التي كانت في مجملها بسبب خللٍ في إيمان وتفكير من وقع فيها , ولذلك كانت مواجهة الصديق t لهذه الأزمة وتعامله معها منطلقاً من خلفيةٍ وأصولٍ فكرية ,  فتعامل معها t بما يتناسب وطبيعتها , وقد كان لسياساته الحكيمة أبلغ الأثر ـ بعد فضل الله ـ في تجاوز هذه الأزمة الخطيرة التي كادت أن  تعصف بالأمة الإسلامية في بداية نشأتها.

وقد تمثلت سياسته t في إدارة أزمة الردة في محاور خمسة , هي :

المحور الأول : التثبت من وقوع الردة  .

المحور الثاني: بيان الحق وتوضيحه وتجليته للأمة لتكون صفاً واحداً متماسكاً , ولتكون أثناء تعاملها مع الأزمة على دراية وبصيرة , ليكون منطلقها من قناعةٍ واعتقاد .

المحور الثالث: اتخاذ الإجراءات الأمنية والعسكرية لحفظ أمن المدينة وحمايتها من خطر المرتدين.

المحور الرابع: بيان حقيقة الإسلام ودعوة المرتدين للرجوع إليه , وإزالة الشبهات التي أثَّرت عليهم.

المحور الخامس:إعلان الحرب على من لم يرجع إلى الإسلام من المرتدين , وقبول عذر من اعتذر منهم حتى بعد قتاله .

15 ـ الأزمات السياسية هي : المعضلات والشدائد التي تصيب نظام الحكم , أو كيان الدولة ومؤسساتها .

16ـ أن من أخطر الأزمات السياسية التي واجهت الرسول الله r بعد مُهاجره إلى المدينة وبداية تأسيسه للدولة الإسلامية الأولى , كانت أزمة علاقات دولية , تتمثل فيما كان من أزمة العيش في بيئة غير آمنة في المدينة , ويوضح خطورة هذه الأزمة ويبينها كثرة الأطراف التي فرض الموقف آنذاك التعامل معها , وتنوعها واختلاف مشاربها وتوجهاتها.وقد كان لسياسات الرسول r الحكيمة أبلغ الأثر ـ بعد فضل الله ـ في تجاوز هذه الأزمة الخطيرة التي كادت أن تعصف بالدولة الإسلامية في بداية تأسيسها .

   وقد تمثلت سياسته r في إدارة هذه الأزمة في مبادرات خمس , هي :

أولا: إدراك خطورة الأزمة ثم المبادرة إلى اتخاذ القرار.

 ثانيا: تطمين نفوس المؤمنين المهاجرين والأنصار بالمؤاخاة بينهم .

ثالثا: إبرام معاهدة وثيقة المدينة لحفظ وتثبيت الأمن داخلياً.

رابعاً : إبرام المعاهدات والتحالفات مع القبائل المجاورة للمدينة.

خامساً : البدء في الكفاح المسلح , على قاعدة : الهجوم خير وسيلة للدفاع.

17 ـ الأزمات الأمنية هي : الشدائد والصعوبات التي تزعزع استقرار الناس وتذهب طمأنينتهم , بسبب ضررٍ أو أذىً يهدد سلامتهم وراحتهم .

18 ـ أن من أخطر الأزمات الأمنية التي واجهت الرسول الله r في بداية تأسيس الدولة الإسلامية الأولى ,كانت أزمة اضطراب الأمن عند حصار الأحزاب للمدينـة النبـوية , والتي جاء تصويرها في القرآن الكريم بأبلغ صورةٍ وأحسن مقال متمثلاً فيما ورد في الآيات (9-22) من سورة الأحزاب , وقد واجه r هذه الأزمة الأمنية العاصفة بسياسات كان لها أبلغ الأثر ـ بعد فضل الله ـ في تجاوز هذه الأزمة . وهذه السياسات تتمثل فيما يلي :

 أولاً : العمل بمبدأ جمع المعلومات .

ثانياً : العمل بمبدأ الكتمان .

ثالثاً : تأمين الذراري والنساء والصبيان من خطر الأعداء .

رابعاً : بث الإشاعات في صفوف الأعداء للنيل من معنوياتهم .

خامساً : تقديمه r أسلوب الترغيب والتشجيع على أسلوب الأمر في تعامله مع جنده.

سادساً : مشاركته r جنده أعباء العمل .

سابعاً :  تقديره r لحاجات جنده والإذن لهم في قضائها .

19 ـ الأزمات الاقتصادية هي : الصعوبات والشدائد  التي تصيب أنظمة كسب المال وقواعده , وطرق إنفاقه , وأوجه تنميته .

20 ـ أزمة البطالة من أوضح أمثلة الأزمات الاقتصادية , بل ومن أكبر الأزمات  المعاصرة , حيث تأتي في مركز الصدارة من بين أزمات العالم أجمع .

والبطالة في أبسط مدلولاتها تعني : تلك الحالة التي يكون فيها الشخص قادراً على العمل وراغباً فيه ، ولكن لا يجد العمل والأجر المناسبين  .

وقد كان لرسول الله r للوقاية من هذه الأزمة سياساتٍ حكيمة, والتعامل الأمثل مع مظاهرها , اتضحت هذه السياسات في أمور ثلاثة :

أولاً : موقفه r من أهم أنواع البطالة الرئيسة(البطالة الإجبارية ـ البطالة الاختيارية).

ثانياً :استفادته r من عدة ركائز مهمة للوقاية من هذه الأزمة , وأهم هذه الركائز :

 

 أ ـ  أمْرُه r بالعمل وحثُّه عليه وترغيبه فيه .

ب ـ  نهيه r عن المسألة والكدية وعن الاعتماد على الناس في الكسب والمعاش.

ج ـ  استفادته r من فرضية الزكاة للوقاية من أزمة البطالة والفقر .

ثالثاً : تطبيق عملي رائع من فعله r في الوقاية من أزمة البطالة , والتعامل الأمثل معها.

   هذه أهم نتائج البحث , نسأل الله أن ينفع بها.

  • التوصيات .

يوصي الباحث في نهاية البحث بأمورٍ يرى أهميتها :

1 ـ مضاعفة اهتمام أصحاب التخصصات الشرعية للعناية بدراسة علم إدارة الأزمات, وربطه بقواعد السياسة الشرعية وضوابطها المعتبرة .

2 ـ توجيه انتباه الأقسام العلمية ذات التوجه الشرعي وثيقة الصلة بعلم إدارة الأزمات, للعناية بتسجيل الدراسات والبحوث المتخصصة في دراسة هذا العلم وربطه بالأصول الشرعية والقواعد المرعية . 

3 ـ العناية بدراسة الأزمات الفكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية , دراسة مفصَّلةً متخصِّصة , إذ هي أهم أنواع الأزمات الرئيسة المرتبطة بالسياسة الشرعية وبحاجة الناس ومصالحهم , وكل واحدة من هذه الأنواع تستحق دراسةً مستقلة .  

4 ـ قيام وزارات التخطيط ـ وما شابهها ـ في الدول الإسلامية بإنشاء مراكز دراسات متخصِّصة لدراسة الأزمات المتنوعة , ورصدها وتصنيفها , وطرح تلك الدراسات وتسهيل الوصول إليها .

5 ـ إنشاء وحدات متخصصة لإدارة الأزمات المختلفة , وتدريب الجيل القادم على التعامل الأمثل معها , وتوعيتهم في هذا الباب , بإقامة دوراتٍ تدريبيةٍ متخصِّصة , وعقد حلْقات علمية لمناقشة أهم النوازل والمستجدات , وإقامة محاضرات وندوات علمية في هذا المجال.

 

     وختاماً فلا يمكن أن يطمئن كاتب لما كتب ببلوغ الكمال , فذلك ضربٌ من المحال, ويأبى الله إلا أن تكون العصمة لكتابه العزيز , الذي بلغ به سبحانه غاية الإعجاز , حيث أنزله ثم تحدى أحداً أن يأتي بمثل شيءٍ منه ! أما غير هذا الكتاب الكريم , فيكتبه كاتبه ثم يسطر ما استطاع من عبارات الاعتذار والتنويه بالضعف والعجز وقلة الحيلة !: } وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً { (سورة النساء :82) ولله درُّ من صنَّف ثم قال : ” وأنا مع وضعي هذا الكتاب ،ما أبرّئُ نفسي ولا كتابي من خلل وريب، ولا أبيعه بشرط  البراءة من كل عيب ، بل أعترف بكمال القصور ، وأسال الله الصفح عما جرى به القلم بهذه السطور ، و أقول لناظر جمعي هذا : لا تأخذ في نفسك عليَّ شيئاً وجدته مغايراً للفهم ، فإن الفهوم قد تختلف ، ومن صنَّف فقد استُهدف ، وأعتذر لك أيها المنصف من خطأ أو زلة ، فالجواد يكبو ، والفتى قد يصبو ، ولا يُعَدُّ إلا فضولات العارف ، وتدخل الزيوف على أعلى الصيارف ، ولا يخفى عليك أن التعقّب على الكتب سيما الطويلة سهل بالنسبة إلى تأليفها ، ووضعها وترصيفها ، حيث يعترض على بانيها من عري في فنه عن القوى والقدر ، بحيث لا يقدر على وضع حجر على حجر،هذا جوابي عما يرد على كتابي “( إتحاف السادة المتقين لمحمد بن محمد الحسيني الزبيدي:1/ 3) .

وبعد : فإنني لا أدعي أنني بذلك بلغتُ الكمال أو قاربته ، ولكنه جهد المُقِلّ ، فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله , والحمد لله على ذلك ، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان , واللهُ ورسولُه منه بريئان , وأستغفر الله من ذلك :  }إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ  {(سورة هود : 88) .

     وآخر شيء يكتب أن الحمد لله رب العالمين ، وصلاةً وسلاماً على أشرف الأنبياء المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم واحشرني معهم ووالدي,وقارئ هذه الرسالة ووالديه وجميع المسلمين ياربَّ العالمين.

شاهد أيضاً

الإمام البخاري متروك الحديث

الإمام البخاري.. متروك الحديث.. نعم.. متروك الحديث.. وهذا ليس قولي بل حكم الإمامين أبي زرعة …

اترك تعليقاً