آهاتُ أبت إلا أن تسطر:

آهاتُ القلب لا تُكتم، ولا تُوارى خلف سُترِ الصمت، بل تنبعث من أعماق الروح كنداءٍ يشقّ دياجير الوهم، فيوقظ الضمير على حقيقة الفَناء. 

تأمّلتُ حولي ذات لحظةٍ، فإذا بالحياة قد غاب فيها صوت كثير من الأقران والأحبّة، وصمتتْ هواتفهم، وخبا نور حساباتهم كنجومٍ أفلتْ عن الأفق؛ فشعرتُ أن الدورَ قد دنا  -لا مفرَ منه، ولا مواربة فيه – وسأُدعى إلى ما سبقوني إليه، وأنا أحملُ بضاعةً لم أدرِ إن كانت نقيةً أم مختلطةً بشوائبِ العجبِ والرياء.

وقفتُ عند قول المصطفى، خير البرية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”… فاسترعاني هذا الحديثُ، فراجعتُ نفسي، وتفحّصتُ مسيرتي في رحاب عملي في الجامعة بين العلم والتدريس، وفي محافل المؤتمرات واللقاءات، فإذا النيّةُ فيها ليست كما ينبغي: نية خالطها بريق التكريم، وزهو المكانة بين الناس، بل إني لأعترف: كم مللْتُ من رتابةِ اليوم، وكسلتُ عن تكرار المحاضرة، وكأن العلم عبءٌ لا نعمة.

فقلتُ في نفسي: لا تزال هناك بقيةٌ من العمر، فلا تُضيّعنها كما مضت.

وعقدتُ العزمَ على استدراكِ ما فات، فأردتُ أن أبعثَ ما كتبتهُ سابقًا من رقادهِ في خزائن الحاسب، وأن أعيدَ تنسيقه وتهذيبه، لا ليظلَّ أسيرَ الجمودِ الأكاديمي، بل لأطلقَه في فضاء الكلمةِ الطيبة، النافعة، الرحبة، كصدقةٍ معطاة، أو علمٍ يُنتفع به، أو نداءٍ صادق.

وإنّ أملي في الله عظيمٌ جدًّا، أن يكتبَ لأعمالي القبول، وأن يُبارك فيها خيرًا ونفعًا، فإنّي بشرٌ، لا يسلم من الخطأ والنقص، ولكنّي أسعى، وأتوب، وأرجو، وأثق بأن رحمة ربي تسبق غضبه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

Author: ibn alislam

اترك تعليقاً