يتناول هذا المقال النقد الأكاديمي للمقولة الشائعة التي تنفي دور السيف أو القوة العسكرية في انتشار الإسلام بصفة مطلقة، حيث برزت مقولة دفاعية تتردد كثيراً في الخطاب العام، مفادها (أن الإسلام لم ينتشر بالسيف) ورغم أن هذه المقولة تستند إلى حقيقة شرعية وتاريخية مفادها أن الدخول في الإسلام لم يكن قسرياً ولا إجبارياً، إلا أن تعميمها ليشمل الانتشار بمعناه الواسع السياسي والجغرافي يعد خطأً منهجياً وتاريخياً، إذ أن الفصل الحاد بين القوة العسكرية والجاذبية الروحية يتجاهل حقيقة أن الإسلام ظهر كدين ودولة في آن واحد، وأن توسعه كان دولة بقدر ما كان حركة دعوية.
ولا يمكن فهم انتشار الإسلام بمعزل عن الفتوحات الكبرى التي انطلقت في عهد الخلفاء الراشدين وما تلاهم، إذ لم تكن تهدف بالضرورة إلى إجبار الناس على الدخول في الإسلام، ولكنها كانت تهدف إلى تحطيم الهياكل السياسية للإمبراطوريات القائمة التي كانت تشكل عائقاً أمام تبليغ الدعوة الإسلامية، حيث وفر السيف الإطار السيادي والأمني الذي سمح للدعاة والتجار والفقهاء بالتحرك في مساحات جغرافية شاسعة، وبدون هذا التوسع العسكري الذي أطاح بالنظم العسكرية والسياسية القائمة، كان من المستحيل تصور انتشار الإسلام في بلاد فارس أو شمال أفريقيا أو أبعد من ذلك بالسرعة والشمولية التي حدثت، لم يكن السيف أداة إكراه ديني، بل كان أداة تحرير سياسي مهدت الطريق للتحول الديني الطوعي على المدى الطويل.
إن حصر انتشار الإسلام في الجوانب السلمية فقط يغفل أن الدولة الإسلامية كانت تستخدم القوة العسكرية لتوسيع حدودها (دار الإسلام)، وهو ما خلق واقعاً اجتماعياً واقتصادياً (مثل نظام الجزية والخراج) وجعل من الاعتناق خياراً عقلانياً للكثيرين.
ويكمن الخطأ في التعميم في خلط المفهومين: الفتح العسكري والاعتناق القسري تاريخياً، إذ تؤكد الوثائق (مثل عهد عمر لأهل القدس) أن المسلمين لم يفرضوا الدين بحد السيف على الأفراد، ولكن من الناحية السياسية، كان السيف هو الذي فرض سيادة الإسلام على الأرض.
يقول المؤرخ ألبرت حوراني إن التحول الديني للسكان في المناطق المفتوحة كان عملية بطيئة استغرقت قروناً، ولكنها بدأت بـ صدمة الفتح التي خلخلت الثقة في النظم الدينية القديمة المرتبطة بالدولة المهزومة، ففي بلاد خراسان وما وراء النهر، لم يكن انتشار الإسلام مجرد رحلة دعوية سلمية، بل كان سلسلة من الحملات العسكرية المعقدة التي قادها قادة مثل قتيبة بن مسلم الباهلي وجيوش الإسلام، ورغم أن الناس لم يُساقوا للمساجد تحت تهديد السلاح، إلا أن الوجود العسكري الدائم وبناء المدن العسكرية (الأمصار) كان هو المحرك الأساسي لأسلمة المنطقة، وفي المغرب العربي، واجه الفتح مقاومة عنيفة ولم يستقر الإسلام إلا بعد معارك طاحنة.
إن إنكار دور هذه المعارك في نشر نفوذ الإسلام هو إنكار للواقع التاريخي الموثق في المصادر الإسلامية نفسها.
ولعل ما يمكن ان أختم به مقالي هو أن الباحث الأكاديمي يختلف عن القارئ العامي، عن الطالب المستجد، إذ عليه أن يجنب العواطف في قراءة التاريخ، وفي كتابته، وفي نشره، بأن يكون متجرداً موضوعياً معتمدا على قراءة ما بين الأسطر، وفهم ما وراء الأحداث رابطا بين كل الوقائع.
