أخبار عاجلة
الرئيسية / عام / تطور مكانة المرأة عبر التاريخ

تطور مكانة المرأة عبر التاريخ

تمهيد:

أولاً: المرأة في بعض الحضارات القديمة:

1- المرأة عند اليونانيين القدماء.

2- المرأة عند الرومان القدماء.

3- مكانة المرأة في الهند.

4- مكانة المرأة في الصين قديماً.

5- مكانة المرأة عند البابليين.

6- أوضاع المرأة في انكلترا.

7- أوضاع المرأة في فرنسا.

ثانياً: مكانة المرأة في الجاهلية والإسلام.

ثالثاً: لمحة عن أوضاع المرأة في العصر الحديث.

 

تمهيد:

تعد مكانة المرأة عبر العصور والحضارات المختلفة مكانة متفاوتة بل وأحياناً متناقضة وكانت النظرة إلى المرأة قد تأرجحت من اعتبارها كائناً منحطاً أشبه بالأشياء منه بالأحياء إلى عدّها شيطان يوحي بالشرور والخطيئة… إلى عدًها السيدة والحاكمة في أقدار المجتمع… والعاملة التي عليها أن تكافح وتشقى وتحمل وتضع وتربي وتقوم على أمور المنزل وراحة الزوج، النظر إليها كرمز وصورة جميلة، تستغل للإغواء والدعاية من قبل المؤسسات اللاأخلاقية، من خلال ذلك يمكن القول إذا ما تم النظر إلى دور المرأة والرجل في سلوكيتهما المتكاملتين في التاريخ القديم تجعل المتتبع لهذه الأدوار يستشف في هذا العصر العديد من المواقف اتجاه المرأة ومكانتها مستقاة من ذلك التاريخ، والتشابه الكبير فيما بين هذه النماذج تجعل المتتبع يتصور الأمر وكأنه يدور في حلقة مفرغة، ولعل السبب الأهم في تراجع دور المرأة السياسي والاقتصادي قديماً بحسب رأي المؤرخين والباحثين، هو قيام الرجل باصطياد أعداد كبيرة من الماشية وإدراك قيمة هذه الماشية من الناحية الاقتصادية وأثر الاستقرار والزراعة في زيادة عدد القطيع، مما دفعهم إلى الاعتناء بالزراعة بشكل أكبر، نتيجة هذا التطور أدت إلى قيام عملية تصادم بين دور المرأة ودور الرجل في الزراعة، نتج عنه علاقة تعاون وهي الأسرة وأصبح كل ما فيها ( المرأة وجهدها وأطفالها وأعمالها) ملكاً للرجل رب العائلة، وهكذا تراجع دور المرأة السياسي والاقتصادي، بعد أن أخذت المجتمعات القديمة تعيش شكلاًً أكثر استقرار وعندما أخذت هذه المجتمعات تبحث عن مصادر المياه والأرض الزراعية أو الرعوية أدى ذلك إلى تصادم مع الجوار، لأن التوسع في ذلك الزمان كان توسعاً أفقياً وليس شاقولياً، كانت الغاية الأساسية من هذا التوسع البحث عن موارد جديدة فكانت نتيجة ذلك الحروب، وبرزت تبعاً لذلك أهمية الرجل في الحرب، بينما أصبحت المرأة تشكل عبئاً ثقيلاً على القبيلة، مما دفع القبيلة إلى التذمر عندما تلد نساؤها إناثاً وكثيراً ما كان الرجل يبيع زوجته مقابل شراء العبيد لأعمال الفلاحة، وبعدها أصبحت الحروب مصدراً للعبيد والنساء والجواري، وفي كل المجتمعات كان الزواج من المرأة سبباً في زيادة النسل وبالنتيجة اعتبار الأبناء مصدر كسب اقتصادي، وكان الرجال ينتفعون بالزوجات انتفاعهم  برأس المال، حيث ينجبن الأولاد الذين يقابلون الربح في رأس المال[1].

وما أن تطورت المجتمعات القديمة قليلاً وعرفت الاستقرار وحالات التعاون مع الجوار، عوضاً عن الحرب، حتى عرفت هذه المجتمعات ما يسمى الزواج بالشراء، وأصبحت المرأة عوضاً من أن يبيعها الرجل يقوم بشرائها، كنوع من التقدير وهو يشبه إلى حد ما المهر في وقتنا الحالي[2].

بعد هذا العرض سيقدم الباحث في الصفحات التي تلي توضيحاً لبعض الجوانب المتعلقة بمكانة المرأة في الحضارات القديمة كالحضارة اليونانية والرومانية، مروراً بالحضارة في الهند القديمة كذلك التعرف إلى مكانة المرأة عند البابليين وإعطاء لمحة عن أوضاع المرأة في الديانة المسيحية إبان العصور الوسطى والانتقال بعد ذلك إلى مكانة المرأة في الجاهلية والإسلام وصولاً إلى مكانة  المرأة في العصر الحديث.

أولاً- المرأة في بعض الحضارات القديمة:

1- المرأة عند اليونانيين القدماء:

مرت المرأة بمراحل مختلفة في اليونان، لكنها كانت في أكثرها مسلوبة الحرية والمكانة وكانت الشرائع اليونانية لا تكاد تحميها من أي خطر يهدد كرامتها، بل وحتى حقها في الحياة ومن المعلوم أن إنكار حق الإنسان في تلك الفترة قد بلغ ولغاية من القسوة في نظام الرق الذي تركزت آفاته على المرأة أكثر من غيرها، ففي إسبرطة كان الآباء يقتلون سبع بنات من كل عشر يولدن لهم، فالمرأة التي تفقد حقها في الحياة كيف لها أن تحصل على حقوقها الأخرى، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، وكان الزواج يتم عند قدماء اليونان من خلال شراء الزوج لزوجته مقابل عدداً من الثيران أو ما يساويها يسلمها الخاطب لأبيها، والذرية من الذكور كان لها مكانتها وتعطى الفرصة للتعليم والتثقيف، أما الإناث فقد كن يوضعن في العزلة والحماية بعد الزواج ويعشن في ركن من أركان بيت الزوجية، وكانت وظيفتهن بالدرجة الأولى هي إنجاب الأطفال، وإذا ما فشلت إحداهن في إنجاب الذرية فإن نصيبها العودة إلى بيت والدها[3].

يقول الخطيب( ديموستين) في إحدى خطبه:

” نتزوج النساء لنرزق بأطفال شرعيين، ولكي نوفر راعياً مخلصاً للبيت ونملك الخليلات لخدمتنا وللعناية بشؤوننا اليومية والعشيقات لمتعة الحب”[4] .

في هذه الجملة الواحدة العجيبة جمع ديموستين رأي اليونان في المرأة إبان عصرهم الذهبي ويبدوا مما سبق أن الدين اليوناني لم يكن ذا أثر كبير في الأخلاق، فقد كان في أصله طائفة من قواعد السحر لا من قواعد الأخلاق، بقي إلى حدٍ كبير على هذا النحو إلى آخر أيام اليونان[5].

2- المرأة عند الرومان القدماء:

رغم أن الرومان شأنهم شأن الإغريق كانوا ذكريين في توجهاتهم إلا أن مكانة المرأة لديهم كانت تختلف عن مكانتها في اليونان، وربما كان لها بعض التأثير على العديد من المواقف، ولم يحدث أن عاشت نساء روما في العزلة نصف الشرقية التي عاشتها المرأة اليونانية، لكن مع ذلك كانت تحت سيطرة الذكر، سواء كان والدها، زوجها، أخوها، وعند قدماء الرومان كان انتقال ملكية المرأة من أبيها إلى زوجها يتم بطريق البيع بالقبض وبها يدفع الزوج  الثمن لقاء الحصول على الزوجة، مثل أي سلعة تباع وتشترى، وبتدفق الثروات على روما من غنائم الإمبراطورية درج الموسرون من الرومان على إظهار علائم الثروة على زوجاتهم، وذلك بتزيينهن بأغلى الملابس والمجوهرات، فأصبحت المرأة الرومانية تظهر شخصيتها المستقلة، حتى أن بعض النساء حاولن تعزيز مكانتهن كي يخرجن عن طوق الذكر، وقد كانت هناك إلى حدٍ ما علاقات متبادلة بين الجنسين، غير أن ما كان منظوراً من نتائج هو تجاهل الذكور من الكتاب للمرأة وهم يعتقدون بأن الحالة الوحيدة للوجود والفكر هي ذكورية وليست أنثوية، ومن المفروض أن تكون مشاعر النساء أدنى من مشاعر أزواجهن[6]. إضافة إلى ذلك كان عمل المرأة خارج نطاق العائلة محدوداً، وكما في اليونان فقد استبعدت النساء عن القيام بأي أدوار تمثيلية على المسرح، لأنها كانت حكراً على الذكور وحتى حين كان أحد الأدوار يتطلب وجود امرأة كان يضطلع به أحد الرجال من خلال ارتداء لباس امرأة ويضع شعراً مستعاراً ويقوم بأداء الدور لأنهم يعتبرون المرأة التي تقوم بهذه الأدوار ذات سلوك سيء وينظرون إليها نظرة دونية، ومن كانت تغامر بالقيام بأي عمل على المسرح كانت تقوم بذلك على حساب سمعتها، ولقد كان المجد الوحيد الذي تستطيع فيه النساء التعبير عن مشاعرهن هو من خلال كونهن متفرجات في مسارح الهواء الطلق، وربما هنا فقط تمكنت النساء من تحقيق أكبر قدر ممكن من المساواة مع الذكور، وقد كان ازدياد الثراء وفساد الأخلاق في المراحل الأخيرة من حياة الرومان من أكبر العوامل التي أدت إلى الانحلال الخلقي وانقطاع رابطة الزواج[7].

لم يكن ثمة امرأة موسرة إلا وطُلقت مرة على الأقل، إذ كان أكبر العوامل التي أدت إلى انتشار الطلاق هي أن الزواج عند الطبقات العليا أصبح خاضعاً للمال والسياسة، كانت حالة المرأة المادية وما لديها من أملاك من إحدى العوامل التي لها تأثير مباشر على الأوضاع السياسية في روما، تلت تلك المرحلة فترة كانت أشد قسوة على النساء في روما من أي مرحلة أخرى، ففي الوقت الذي كان القرآن الكريم ينزل بتحريم ما كانت تفعله بعض القبائل في الجاهلية من وأد البنات وكان المسلمون يرددون قول الله عز وجل (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)[8]. كان الرومان إبان العصور الوسطى يمعنون في التفنن بتعذيب المرأة إلى الموت دون جريمة اقترفتها، فمن أشكال التعذيب التي كانت تمارس على النساء صب القطران على أجسادهن ومن ذلك ربط مجموعات منهن في سارية تتقد تحتها نار هادئة لعدة أيام، وكذلك عمليات الحرق وأشكال عديدة من أساليب التعذيب، السؤال الغريب المدهش بالنسبة للمجتمع الروماني أن النساء أيام تطور الحضارة وبذخها كُن يتصرفن بمالهن من حرية وسلطة وتسابق الرجال إلى استرضائهن، ومن ثم في أيام الانحطاط وتدهور الأوضاع ازداد الحقد عليهن وأصبحن مقيدات الحرية، أجاب عن هذا السؤال الغريب مؤلف دائرة معارف القرن العشرين قائلاً” لما امتد ملك الرومان ونالوا قدر كبير من العظمة والتفوق على الأمم ولم يبقى لهم في الأرض منازع فتداخلهم حب الترف والرفاهية وهذه الأمور لا تكتمل إلا باختلاط الجنسين معاً فشرعوا في كشف الحجاب عن نسائهم وترقوا في ذلك شيئاً فشيئاً حتى أصبحن النساء هن المسيطرات على الأمور السياسية وحصل في هذا الاختلاط من الدنايا والمقاذرة ما أكره أن يكتبه قلمي، فماتت هممهم وخارت عزائمهم وحدثت أثناء ذلك أحداث غيرت اتجاهات الأفكار بالمرأة، فأخذ الحقد يزداد شيئاً فشيئاًَ والتضييق يشتد يوماً فيوماً، حتى وصل الأمر إلى ما وصفت لك من حال القرون الوسطى، لغاية القرن السابع عشر ومقدمة القرن التاسع عشر، فإذا كانت المرأة المسكينة ألعوبة بيد الرجل لهذه الدرجة، يحبسها مادام متديناً، ثم إذا دخله حب اللهو والترف يخرجها ليلعب بضعفها ثم إذا فتنها وأتلف أدبها بما يخترعه لها من أنواع البذخ والزينة يراها حملاً ثقيلاً عليه فيعيدها إلى حبسها بأشد مما كان”.[9]

3- مكانة المرأة في الهند:

أخضع الآريون وادي السند وتقاسموا الأرض فيما بينهم، فاستبعدوا السكان الدارفيديون الأصليين واستبدوا بهم وأذلوهم، لكن في العهد السابق لمجيء الآريين كانت التعاليم تقتضي بأن يكون الرجل جديراً بأمه وأهله، لما تغذى به منها من رضاعة وكان في ذلك العهد بإمكان النساء التجول بملء حريتهن، سواء كن متزوجات أو عازبات، وكن يستطعن حضور الاجتماعات والمشاركة في الاحتفالات مع الرجل جنباً إلى جنب، وكن يمتلكن الأرض والأموال، ثم تغيرت الأوضاع بعد قدوم الآريين، وقد منعت الفيدات ( وهي كتب المعرفة لدى الهنود) الزوجات من المشاركة في القرابين العامة الشائعة في الهند أو القيام بها بالتالي فإن حقوق النساء وامتيازاتهن قد انتهى أمرها، وخصوصاً عندما فرض الرجال (رؤساء مختلف القبائل وأصحاب السيادة المطلقة) قوانين الزواج الشائعة عند القبائل الرحل مثلاً، إلزام الرجل بأن يغتصب زوجة المستقبل بالقوة، أو يحصل عليها مقابل مبلغ من المال، فأصبحت المرأة تدخل إلى بيت الزوجية لتخضع إلى سيطرة أبوية صارمة جلبها الآريون الغزاة  وفرضوها على السكان المحليين، بعد هذه المرحلة ظهرت طبقة البراهما والتي كيفت القوانين الأخلاقية والدينية بما يتناسب ومصالح سادتهم وما يناسب تقاليدهم، وكان البراهما يستندون في فتواهم إلى قانون مانو، وهو الابن الأسطوري للإله براهما، وكانت المرأة في قانون مانو، هي الشر بعينه ولم تمنح إلا حقاً واحداً وهو حق حماية الزوج لها حماية حذرة، وكما يقول مانو: “إن الزوجة الوفية ينبغي أن تخدم سيدها كما لو كان إلهاً وألا تأتي شيئاً من شأنه أن يؤلمه، مهما كانت حالته، حتى ولو كانت أخلاقه تخلوا من كل الفضائل”[10].

وإن فن القراءة عند الهنود والقدماء لا يليق بالمرأة حتى لا يقوى سلطانها على الرجل من خلال القراءة، ثم أن القراءة تؤدي إلى نقص فتنة المرأة، فشريعة مانو  في الهند لم تكن تعرف للمرأة أي حق مستقل عن حق أبيها أو زوجها أو ابنها وفي حالة وفاة الأب والزوج فإذا انقطع هؤلاء جميعاً وجب عليها أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها بالنسب ولا يجوز أن تستقل بنفسها بأي حال من الأحوال، وأشد من نكران حقها في معاملات المعيشة نكران حقها في الحياة المستقلة عن زوجها، بل أن تحرق معه على موقد واحد عندما يموت وقد دامت هذه العادة القديمة حتى القرن السابع عشر[11].

يقول طاغور على لسان شترا: “إن المرأة يسعدها أن تكون امرأة فقط وأن تلف نفسها حول قلوب الرجال بابتسامتها وتنهداتها وخدماتها وملاحظاتها فماذا يجدي عليها جليل العلم وجليل الأعمال”.[12]

يروي المجسطي عن أيام شاندرا جويتا: “أن البراهمة يحولون بين زوجاتهم- ولهم زوجات كثيرات- وبين دراسة الفلسفة لأن النساء إن عرفن كيف ينظرن إلى اللذة والألم والحياة والموت نظرة فلسفية سيصيبهن مس من جنون أو يأبين بعد ذلك الخضوع لأزواجهن”.[13]

ففي تشريع مانو بالنسل وحده يكمل الرجل أما المرأة فقد كرست- أساساً للإنجاب- وكان الزواج في النظام الهندي، إجباري للجميع، والرجل الأعزب طريد الطبقات لا مكانة له ولا تقدير ومن العار أن تبقى الفتاة بدون زواج، فلابد أن يتولى الوالدان أمر زواج الوليد قبل أن تستولي عليه حمى الرغبة الجنسية، فتقذف به إلى زواج مصيره- في نظر الهنود- إلى خيبة الرجاء واليأس المرير[14].

تربية البنات مثل ري حقول الآخرين مثل يردده سكان هاريانا في شمال الهند يعكس واقعاً سيئاً للمرأة، فمنذ ظهور أجهزة الكشف المبكر عن نوع الجنين والهنود يتداولون مأثورات شعبية أكثر قسوة من الوأد نفسه، فهم يعتبرون الإناث في النهاية سيتزوجن ويلتحقن بخدمة الزوج وأهله[15].

في عيادة بروتاك الواقعة على مسافة 80 كم من العاصمة الهندية كانت سيدة متقدمة في السن تحتفل بميلاد أول حفيد ذكر لها بكميات كبيرة من الحلويات للطبيب والممرضات….. فجأة قال أحدهم ماذا لو كان المولود أنثى فأجابت الجدة قبل أن تمضي سريعاً لما لا تقول شيئاً جيداً[16].

4- مكانة المرأة في الصين قديماً:

بالنسبة لوضع المرأة في الصين القديمة كان يختلف نوعاً ما عن مثيلاتها في البلاد المجاورة، حيث كانت المرأة الأم تحظى بنوع من التقدير والاحترام من أبنائها إلا إن هذا لاينكر وجود تشديد صارم على خروج المرأة من المنزل بالإضافة إلى الحرص على تربية الأولاد بشكل كبير، لكن لا يخلوا الأمر من التمييز بين الذكور والإناث من قبل الأهل وخصوصاً الأب فكان الذكور يحصلون على التعليم والتثقيف والرعاية دون أن تنال الإناث مثل ذلك، ولا تتعلم الفتاة سوى بعض الأعمال في المنزل، كالخياطة والحياكة وغزل الصوف على يدي والدتها وكان هناك تشديد من قبل الزوج على خروج المرأة من البيت لوحدها، كانت المهمة الأساسية للزوجة إنجاب الأطفال والزوجة التي لا تنجب تبقى في بيت الزوجية لكن يتزوج الرجل بأخرى لتنجب له الأولاد، مع بقاء المكانة الأفضل للزوجة الأولى، وقد تسعى بعض النساء العقيمات إلى خطبة الفتيات لأزواجهن من أجل الأولاد، وممكن أن يتزوج الرجل أكثر من امرأة ويمكن أن يكون لديه بعض الخليلات يأوي إليهن متى شاء، ويقال حتى أن امرأة الإمبراطور نفسها كانت ترسل بعض الرسل إلى البلدان والمدن لإحضار النساء لزوجها، أما بعد انتشار الديانة الكونفوشية- على يد كونفوشيوس فقد أصبحت معاملة النساء أكثر قسوة من ذي قبل ويحكى أن سكان الريف في الصين كانت لديهم عادة تمارس وهي من إحدى التعاليم الكونفوشية حيث يقوم الأهل بوضع أحذية حديدية أو معدنية بأرجل الفتيات الصغار حتى يكبرن ويصبحن بالغات – لكن بأقدام صغيرة جداً- بالتالي لا تستطيع الفتاة الابتعاد كثيراًَ عن المنزل بل تبقى كالدجاجة بجور المنزل، كون الفتاة شريرة بطبعها حتى لا تسير في الطرق الوعرة أي المقصود بذلك حتى تبقى محافظة على عفتها وشرفها ببقائها بجوار المنزل، وقد استمرت هذه العادة كما يقال حتى قيام الثورة الصينية عام(1948)[17].

5- مكانة المرأة عند البابليين:

كانت منزلة المرأة عند البابليين منزلة رفيعة كما كانت في مصر، حيث كان من حق النساء تعاطي الأعمال التجارية لحسابهن الخاص وغيرها من الأعمال، مستقلات تمام الاستقلال ويقمن في مقام الكتبة ولتحقيق ذلك كان لابد من الاستعداد اللازم في مكان مخصص لتأهيلهن لهذه الأعمال، وقد انخرطت جماعة منهن في خدمة الدواوين والمصالح الأميرية، كما كانت تنتظم المرأة في سلك الكهان وكان من حقها التمتع بالملكية الخاصة وحق الشهادة الكاملة كالرجل وحق التصرف فيما تملك من أرض أو عقار أو حيوانات أو عبيد، وإذا غاب زوجها ولم يكن له ولد في سن الرشد تعود إليها رئاسة الأسرة وإدارة شؤون البيت والأملاك، ولها مقابل ذلك ثلث إيراد زوجها[18]. وقد منح حمو رابي للمرأة، حق الطلاق إذا رأت في تصرف زوجها ما يجعلها تشك به أو إذا أهملها زوجها، وعلى القاضي أن يتحقق من دعوى المرأة وأن ينصفها إذا ثبت له صدقها وكان للزوج أن يرهنها حتى تتمكن من سداد دينه، على أن لا يتجاوز هذا الرهن ثلاث سنوات كما يستطيع بيعها إذا ثبت له خيانتها[19]. من الملاحظ أن وضع المرأة في بلاد الرافدين كان يدعو إلى الرضا والارتياح نسبياً ويعتبر متقدم بشكل كبير إذا ما قيس بوضع مثيلاتها في الصحارى المجاورة.

5- أوضاع المرأة في إنكلترا:

أثبت سنوات القرن التاسع عشر في إنكلترا بأنها مرحلة كبت و تزمت، حيث كانت أمور كثيرة غير مستحبة، فعلى سبيل المثال كان ارتياد المسرح والرقص مدعاة للانحراف، وكان من باب التحدث عن الحمل والولادة وما شابه ذلك يتم باللغة الفرنسية، بينما يعد التعبير عن ذلك بالإنكليزية نوعاً من الخشونة وعدم اللباقة، وكان من المتوقع من النساء أن يكن ناعمات يخجلن من أقل إثارة[20].

وقد عبر( جيرمي تيلور) عن موقف المرأة غير المتزوجة تعبيراً دقيقاً حينما كتب يقول بوجوب تفانيها في البحث عن الاحتشام، مع كل هذا فإن القمة التي رفعت إليها المرأة لم تكن لها علاقة بحقيقة واقعها، إذ تكمن الحقيقة البشعة خلف كل الكلمات المعسولة فالنساء أمام القانون كُنَ في الحقيقة جزء من ممتلكات الرج أي عبارة عن أموال منقولة تتمتع بشيء من الحقوق، كانت الفتاة قبل زواجها تحت سيطرة والدها أو ولي أمرها وبعد زواجها تصبح تحت سلطة الزوج، ولم تكن تتمتع بأي سلطة أو بشخصية شرعية، فلم يكن لها الحق في أن ترفع قضية أمام المحاكم وكان الرجل هو المسؤول شرعاً عن ديونها، بالمقابل كانت تؤول إليه أي ملكية تستحقها الزوجة وإذا ما كسبت شيئاً من المال بعد زواجها فإن من حقه المطالبة به وليس هناك للزوجة مهرب من ذلك، ولم يكن لها الحق في كتابة وصيتها دون إذن زوجها وإن أية وصية تكتبها كانت عرضة للإلغاء من قبل زوجها بعد وفاتها، و لم يكن من مسوغ قانوني يجبر الزوج على أن يخص زوجته في وصيته، ففي حال وفاته لا تستطيع إدعاء حضانة أطفالها فالأطفال له أثناء حياته وبعد وفاته فإنهم ينسبون إلى أقرب ذكر من عائلة الزوج، ولم يكن باستطاعة الزوجة أن تطلب التفريق عن زوجها في حال ثبوت عدم وفائه أما الزوج فهو على النقيض من ذلك[21]. ولم  يفقد الزوج حقه في سجن زوجته وإجبارها على القيام بكل واجباتها الزوجية إلا بحلول عام (1981)[22]. إذاً يمكن القول كان ينظر إلى المرأة في العصر الفيكتوري إلى أنها مجرد جسد وأصبحت قصص ألف ليلة وليلة ومجموعة قصص في وقتها حافزاً روائياً دخيلاً، جاء كما يشتهي القارئ الفيكتوري الذكر.

6- أوضاع المرأة في فرنسا:

في الحقيقة لم تكن أوضاع المرأة في فرنسا أفضل من وضع مثيلاتها في انكلترا، ففي الوقت الذي كان الإسلام وتعاليمه السمحة تقرر بداهة اشتراك المرأة والرجل في صفة الإنسانية، كانت فرنسا منهمكة في رعاية مؤتمر عقد في القرن السادس الميلادي، للوصول إلى معرفة حقيقة المرأة، هل هي من صنف الإنسان أم من صنف آخر؟[23].

يقول محمد جميل بيهم في كتابه المرأة في الإسلام وفي الحضارة الغربية “إن التمدن الحديث احتفظ طويلاً بنسبة تسلط الرجل على أموال الزوجة وكسبها، ويمنعها من التصرف به إلا بإذنه فالمشرع في فرنسا قضى بأن الرجل ليس له أن يتولى على أملاك الزوجين المشتركة فحسب بل له أيضاً حق الولاية على عقارات المرأة الخاصة، وليس للزوجة حتى في أثناء غياب زوجها أن تبيع شيئاً من الأملاك المشتركة بل ولا أن تتصرف في أملاكها الخاصة من غير رضاه، وزيادة على ذلك فليس للزوجة أن تقبل هدية أيضاً بغير إذنه، في حين أن له الحق أن يهب ما يشاء من الرياش المشتركة في بيتها، فضلاً عن أموالها المنقولة الخاصة”[24]. الحقيقة تقال أخرج المؤلف كتابة هذا عام (1921م). طورت فرنسا بعد ذلك هذا القانون ونالت المرأة الفرنسية حقها في التملك والتصرفات المدنية لأول مرة عام (1938م) وكانت المرأة في القرن السادس عشر ممنوعة من الحقوق المدنية وقد أصدر برلمان باريس في (28/6/1593) قراراً يقضي بمنع النساء من تولي أية وظيفة في الدولة[25].

ثالثاً- مكانة المرأة في الجاهلية والإسلام:

1- مكانة المرأة في الجاهلية:

مَّر وضع المرأة في الجاهلية بمراحل متفاوتة ومتناقضة، حيث كانت بعض القبائل في الجاهلية تعد المرأة كالسائمة فهي تورث كما تورث السوائم ويتصرف بها الذي يرثها كيفما يشاء، يتزوجها أو يرغمها على البُغاء والفجور، أما بالنسبة لمهر المرأة فكان ثمناً لها يقبضه ولي أمرها وكان المهر عدداً من الإبل يسوقها الخاطب إلى خيمة أهل مخطوبته فيسمى السياق، وكان عدد هذه الإبل يقدر على مقدار مكانة المرأة في قومها وحظها من الحسن والجمال، ولم يكن هناك حد لتعدد الزوجات عند عرب الجاهلية، وما حدث من أمور شاذة في الجاهلية واختلاط بالأنساب ووأد البنات… قد تصدى لها الإسلام بقوة وعلم وحكمة فمنع نكاح الزنا ونكاح المحارم أما نكاح البغايا فمنعه الإسلام من جملة ما منع عاداً إياه من الزنا[26]. ويمكن ملاحظة ذلك مما ورد في سورة النور(وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء )[27]. وأن هناك الكثير من العوائل التي كانت تدفع بجواريها وبناتها إلى البغاء طلباً لسعة العيش وسد الرمق، وكان حب الرجل العربي للمرأة في الجاهلية ترجمان حاجته الغريزية فقط،، أما بالنسبة لعادة وأد البنات لقد صور القرآن الكريم خبر ولادة البنت في الجاهلية بقوله تعالى:

(وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ* وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)[28].

لكن إذا تمت العودة إلى استعراض عادة الوأد في الجاهلية فإنها لم تكن سارية إلا في بعض بطون قبيلتي تميم وأسد وليس عند كل القبائل العربية، كما أن هذا الكلام لم يكن ليسري على بنات السادة وزعماء القبائل والأغنياء- بل كانت نساء هذه الفئات تتمتع بحرية كبيرة سواء في ما يتعلق بالزواج وحتى الطلاق- فكانت المرأة منهن لا تتزوج إلا برغبتها ومتى سئمت زوجها تركته من خلال تغيير اتجاه باب الخيمة التي تسكنها فيعرف الرجل أنها لم تعد راغبة به، يذكر التاريخ مثالاً على ذلك ( أم خارجة التي تزوجت أكثر من أربعين رجلاً)[29]. بالإضافة إلى أن الكثير منهن كانت لهن مكانة رفيعة في قومهن، فقد يكنى آبائهن بهن ( أبي سفانة حاتم الطائي، وأبي الخنساء أبي سلمى) والبعض من سادة الجاهلية كانوا يكَّرمون بمدح بناتهم، لكن كل هذا لا يعفي من القول أن المرأة عاشت معانة كبيرة في الجاهلية[30].

2- مكانة المرأة في الإسلام:

أتى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لتصحيح الأوضاع الخاطئة في الجاهلية ولتقويم السلوكيات غير الصحيحة وإبراز الوجه الإنساني الصحيح لهذه العلاقات المقلوبة والمفاهيم الخاطئة ولم يكن نهجه معتمداً على الوصايا والتعليمات فحسب، إنما من خلال القدوة الحسنة سواء فيما يتعلق بكيفية معاملة الزوجة بشكل خاص والنساء بشكل عام، ولقد جاء الإسلام ليجعل مكانة المرأة لا تقل عن مكانة الرجل، فهم متساوون في الحقوق والواجبات، فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين والمؤمنات في عشرات الآيات، ويؤكد أن الرجل والمرأة من أصل واحد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[31]، ويقول تبارك وتعالى (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)[32]، وقال تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)[33]، وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ  لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[34]، فهي صلة مودة ورحمة وليست صلة مادية وإنما أدبية وإنسانية رائعة بنيت على أسس متينة من المودة والرحمة والسكن والتقارب والالتزام وقال تعالى (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[35]. شدد الإسلام على تكريم المرأة على أساس من الإنسانية المجردة الشاملة لكل من الرجل والمرأة على السواء وذكر أيضاً أن قيمة الإيمان والعمل – عند الذكر والأنثى- واحدة كما أن الثواب واحد يشملهما معهاً: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ  وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[36].

ليس في القرآن خط فكري يفضل الرجل على المرأة في المسؤولية وفي نتائجها، بل أن مسألة التفضيل تعود إلى قاعدة شاملة لهما تتلخص في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ  اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[37]. فالمقياس في التفاضل تقوى الله وهو مقياس عام شامل للنوع الإنساني يشمل المرأة والرجل على حدٍ سواء واختلاف الرجل عن المرأة ليس اختلافاً في القيمة الإنسانية بل في الإيمان والعمل، بالتالي فإن المرأة قد تفوق الرجل إذا ما أخلصت لله تعالى في عملها، قال تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ َأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)[38]، وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ  يَعْمَلُونَ)[39]، يقول الله تبارك وتعالى: ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).[40]

يمكن الملاحظة أن في هاتين الآيتين معاني ومعلومات هامة، حيث تشير الآية الأولى إلى تقديم الإناث على الذكور و في ذلك قال وائلة بن الأسقع” إن من يُمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر”[41].

في الحقيقة لم يخلق الله الزوجين إلا للتكاتف والتعاضد والألفة والتعاون في أداء المهام الإنسانية الجليلة، التي لا يقل دور المرأة فيها عن دور الرجل وفي هذا يقول الله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*  وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى*إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى*وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى).[42]

إن الله تعالى كما خلق الليل والنهار مختلفين في النور والظلمة ليؤدي كل منهما مهمة يتوقف عليها بقاء الكون وصلاحه، فإن الأمور لا تستقر مع نهار دائم، ولا مع ليل مستمر ففي النهار الدائم لن يركن الناس للراحة، وفي الليل الدائم لن يستقيم ميزان العمل والإنتاج ولن يستقر ميزان الصحة، وقد يتوقف الدم في العروق من جراء النوم والسكون، لهذا كان اختلاف الليل والنهار للتكامل والتعاضد وليس للتنافر والتضاد، وكان خلق الذكر والأنثى على هذا المنوال، لذلك ذكرت بعده بعد أن تقدمه الحديث عن الليل والنهار ليوضح حقيقته ويبين غايته وأن الأفضلية ليست للذكر لأنه ذكر ولا للأنثى لأنها أنثى ولكن للتقوى والعمل الصالح، وإذا كان البعض قد وجدوا في المرأة جنساً دونياً وإنها أقل من الرجل في أصل الخلقة، فإن القرآن الكريم قد سفَّه هذا الفكر وبين عوجه وضحالته وانحرافه عن الطريق السوي[43]. كما يوصي رسول الله ( ص) مذكراً الرجل بحقوق الزوجة وأهمية رعايتها يقول صلى الله عليه وسلم ( إنما النساء شقائق الرجال ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم).[44]

قال (ص): ( أكمل المؤمنين إيماناً وأقربهم مني مجالس، ألطفهم بأهله)[45].

أعطى الإسلام المرأة، ثيباً أو بكراً، الحرية الكاملة في إبداء رأيها فيمن يخطبها بالقبول أو الرفض وليس لوليها أو أبيها الحق في إجبارها على زواج من لا تريده، وذلك وفق قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا تزوج الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن)[46].

بالعودة إلى التاريخ يمكن الملاحظة أن المرأة العربية لم تتوانَّ عن المساهمة في الحروب والخدمات الاجتماعية أيام الرسول (ص) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ومن أهم الخدمات الاجتماعية التي برزت فيها المرأة، التمريض وإسعاف الجرحى والمصابين في الحروب، حيث كن يسرن إلى المعارك جنباً إلى جنب مع الرجال، حاملات أواني الماء وما يحتاج إليه الجرحى من اللفائف والجبائر وغير ذلك و منهن على سبيل الذكرى:

(رقيدة الأسلمية، أمينة بنت ميش الغفارية، أم سليم، أم سنان الأسلمية، أم عطية الأنصارية) وكانت بعضهن يغشين الحرب لإفاضة الرحمة وبذل المعونة فإن وجدن حاجة إلى القتال يحاذين الرجال حمل البطولة، كانت النساء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  يشاركن بشكل عام في الحياة الاجتماعية، وعندما دخل مكة المكرمة فاتحاً تلقى بيعة النساء وربما كانت هذه البيعة آخر مشاركة سياسية رسمية للنساء، وبعد الرسول(ص) روت نساؤه عنه بعض الأحاديث كما روى غيرهن أحاديث الرسول (ص) وبلغ عدد اللواتي روين الحديث 1700 امرأة، كما كانت الصحابية سمراء بنت سهيل تتولى أمور السوق وكانت تتجول في أسواق المدينة، وفي يدها سوط لتأديب المخالفين ومثلها الشفاء بنت عبد الله التي كانت مقربة إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن جملة مستشاريه وكان يكلفها الإشراف على الأسواق أو يعهد إليها ببعض شؤونها[47].

تلك نماذج قليلة من الصفوة النسائية الأخلاقية الإيمانية اللاتي شاركن في الحرب وفي بناء المجتمع أيام الرسول(ص) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وكُن مثالاً للتضحية والعطاء والفداء والعمل السوي، سواء في رعاية أزواجهن أو في تربية أطفالهن أو مساهمتهن في الحروب والخدمات الاجتماعية المتنوعة، إذاً هناك تكامل لا تماثل، ولا تفاوت بين الجنسين، لقد ساوى القرآن الكريم بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية وفي المسؤولية، حيث  يتحدث القرآن عن المسؤولية عند الرجل والمرأة : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ  الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[48].

تدل الآية السابقة على أن المؤمنين والمؤمنات يتعاونون في كل القضايا وحتى في الأمور التي ميز فيها الرجل عن المرأة لم يكن تميز القيمة بل تمييز الدور من خلال تنويع الأدوار، كان هذا موقف الرسالة الإسلامية الإلهية وهداياتها النيرة في مكانة المرأة ومساواتها بالرجل، إلا أن تلك المكانة قد تشوهت بالتدريج وتم تجاهل تعاليم الهدي السماوي وطغت التطورات القبلية الذكورية والعصبية تدريجياً حتى وصلت إلى مرحلة من التمييز والتشويه أضرت بالمجتمع العربي بالكامل نتيجة هذا التمييز[49].

ويمكن ذكر قول أم أحد الخلفاء في الأندلس مؤنبة ابنها وقد تهاوى ملكه:

لا تبك كالنساء ملكاً مضاعاً                     لم تحافظ عليه مثل الرجال[50]

وكأنما المحافظة على الوطن مسؤولية الرجال وحدهم ولا شأن للنساء بها وللأسف إن الواقع الإسلامي الحالي وليس الإسلام الحقيقي، أبعد المرأة عن حركة الحياة وأهملها وحصرها في دائرة حاجة الرجل، بينما هي إنسان يعيش إنسانيته إلى جانب الرجل ليتكاملا مع بعضهما البعض (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[51].

فالمشكلة ليست في الإسلام ولكن بالتراكمات التاريخية التي أفقدت المرأة ثقتها بنفسها، فعندما كانوا يقولون إن المرأة ضعيفة العقل كانت تشعر بأنها كذلك وتسكن إلى ذلك، فالإسلام لم يرجح الرجال على النساء كما كرم المرأة كونها نصف المجتمع وحقق لها التكامل مع الرجل، وكفل لها حق الإرث ففي أكثر من /30/ حالة تتساوى الحظوظ أو يزيد نصيب المرأة[52].

يقول الله عز وجل  معلناً رسوخ حق المرأة في الميراث كالرجل تماماً، (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)[53]. كما كفل لها حق التملك والتصرف في أموالها، الشراء، الهبة، الوصية، الشهادة، الوكالة، وأجاز لها دخول معترك الحياة، وهناك توازن بين الحقوق والواجبات، فعلى المرأة واجبات مثل ما لها من حقوق، وإن الحقوق التي أعطاها لها الإسلام لم تبلغه مثيلاتها في الدول المتطورة التي تدعي الحضارة والمدنية، أما فيما يخص المشاركة السياسية أو العمل العام فلا يوجد نصاً شرعياً يحول دون تلك المشاركة أو يقيدها ولم تغبن الشريعة الإسلامية حق المرأة في العمل أو امتهانها لمهنة تبدع فيها سواء كانت بنتاً أم متزوجة شرط أن ينضبط سلوكها بالمبادئ الأخلاقية، وهناك بعض النصوص والأحاديث التي لا تعني أحكاماً عامة يتذرع بها البعض لمصادرة مشاركة المرأة مع الرجل أو التقليل من شأنها وتقليص مجالاتها، والتي جعلت أعداء الإسلام والحاقدين عليه يتخذون ذلك الوهم ذريعة في تشويه صورة الإسلام لدى المرأة وترسيخ مبدأ عدم التكامل بين الرجل والمرأة في الإسلام، في الحقيقة أعطى الإسلام المرأة حقوقها منذ ما ينوف عن (1400) عام أكثر مما تملك النساء الآن في أرقى البلدان الأوروبية التي تدعي الديمقراطية والمدنية[54]. ويمكن تأكيد بالعودة إلى مكانة المرأة في أوروبا في العصر الحالي، حيث يقول الدكتور شارل ل. فيدز مدير المعهد الأمريكي للدراسات الإسلامية: ” كثير من الرجال في أوروبا وافقوا على قدرة المرأة على القيام بوظيفة الرجل إلا أنهم رفضوا قبول افتراض تقاضيهم نفس الأجر ولنفس العمل هذا الاعتقاد بالمساواة في القدرة وعدم المساواة في التعويض”[55].

تقول الكاتبة الفرنسية فرانس كيري:” إن المرأة الغربية تفقد حق المساواة المهنية وحق الكرامة الإنسانية ثم تتابع في بيان ذلك فتقول: إنه مع تساوي المؤهلات فإن المرأة لا تجد نفسها إلا في وضعية جائرة تتمثل في أعمال أكثر رتابة، وسلطات أقل وأجر أدنى”[56].

كما تشير الإحصاءات إلى المعاملة السيئة التي تنالها المرأة في المجتمع الغربي ففي الولايات المتحدة الأمريكية هناك كل (12) ثانية امرأة تتعرض للضرب ومن شخص تعرفه كالزوج أو القريب أو الصديق، كما أعلنت وزارة الداخلية البريطانية أن عدد النساء اللواتي يتعرض للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي سنوياً في بريطانية يمكن أن يصل إلى (295) ألفاً وهذا الرقم يمثل الاعتداءات التي يتقدم أصحابها بشكوى فهناك الكثير من الاعتداءات التي تحدث ولكن دون أن يتقدم أصحابها بشكوى، بالإضافة إلى الأرقام الكثيرة التي تدل على مختلف أشكال العنف والاعتداء الجنسي في معظم الدول الأوروبية، بالتالي يلاحظ بأن المرأة في الدول الأوروبية ليست بأحسن حال من غيرها، وهذه الفجوة بين الرجل والمرأة تجعل التحديات التي تواجه تحقيق عملية التنمية تحديات كبيرة، تتطلب بذل جهود مكثفة لاستغلال كافة الموارد البشرية على أفضل وجه ممكن لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، والتمكن من إشباع الحاجات لجميع أفراد المجتمع بدون تمييز، وكون النساء يشكلن نصف عدد السكان بالتالي نصف طاقة المجتمع الإنتاجية، فقد أصبح لزاماً أن يساهمن في العملية التنموية على قدم المساواة مع الرجال وأصبح وضع النساء في أي مجتمع يعتبر مقياس لمدى تطور ونمو هذا المجتمع وأصبح تقدم أي مجتمع مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى تقدم النساء فيه وقدرتهن على المشاركة في التنمية بكل أشكالها والقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة[57].

ثالثاً: لمحة عن أوضاع المرأة في العصر الحديث.

بدأت المحافل الدولية منذ عام (1972) على وجه الخصوص تهتم بقضايا المرأة، فأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام (1975) سنة دولية للمرأة، كما أعلنت الفترة من (1976-1985)عقداً دولياً للمرأة، ثم اعتمدت الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة في عام (1979) واعتمد مؤتمر نيروبي الدولي عام (1985) الاستراتيجيات المرتقبة للنهوض بالمرأة خلال الفترة (1986-2000) وأكدت منظمة  اليونسكو في مؤتمرها العام سنة (1989) وفي خطتها المتوسطة للأعوام (1990- 1995) على ضرورة تحسين أوضاع المرأة وتخفيض نسبة الأمية خاصة بين النساء[58].

أكد المؤتمر العالمي المعني بحقوق الإنسان الذي عقد في فيتنام عام (1993) مجدداً على ضرورة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في كافة الحقوق وضرورة مكافحة التمييز القائم في كافة المجالات على أساس نوع الجنس، كما أكد مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية المنعقد في كوبنهاجن حتى عام (1995) أن تمكن المرأة من تحقيق كامل إمكاناتها يعتبر عنصراً حاسماً في إستراتيجية تسعى إلى حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية[59]. هذا وقد كان المؤتمر الدولي الرابع الذي عقد في بكين أيلول عام (1995) لتقييم مدى التقدم الذي أحرزته المرأة في البلدان المختلفة منذ عام (1985) و لتعبئة كافة الجهود في سبيل النهوض بها وتعزيز دورها حيث كان هذا المؤتمر من أكبر المؤتمرات الدولية، حضره (17.000) مشارك يمثلون (189) دولة ومنظمات دولية وهيئات غير حكومية وأجهزة إعلام مختلفة، إلى جانب مشاركة أكثر من

(30.000) شخص في المنتدى العالمي للهيئات الأهلية للمرأة الذي انعقد في المكان ذاته وفي الفترة ذاتها، وقد أشار الإعلان العالمي الصادر عنه إلى مختلف أشكال التمييز ضد الفتيات والنساء وحدد أهدافاً أساسية على المجتمع الدولي أن يبلغها في هذا الصدد لضمان رفع مستوى المرأة وتعزيز المكاسب التي حققتها، فأكد مجدداً على ضرورة حماية حقوق المرأة باعتبارها جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وإزالة كافة أشكال التميز ضدها والعمل على مكافحة فقرها وإزالة كافة العقبات التي تحول دون مشاركتها الكاملة في الحياة العامة وفي مواقع اتخاذ القرار على كافة المستويات، ومكافحة كل أشكال العنف الممارس ضدها، ورفع مستوى الخدمات التعليمية والصحية المقدمة لها وتمكينها من الحصول على الاستقلال الاقتصادي والوصول إلى المصادر الاقتصادية والمساهمة في عمليات الإنتاج[60].

بذلت كل الجهود الدولية للفت النظر إلى ضرورة تحسين أوضاع النساء، وإزالة العقبات التي تعترضهن وتمنع تقدمهن، وللتأكيد على ضرورة منحهن فرصاً متكافئة مع الرجال في مختلف المجالات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وضمان إدماجهن التام في كافة الجهود التنموية لبلادهن وإفساح المجال أمامهن للمشاركة في عملية رسم السياسات واتخاذ القرارات، وقد أسهمت المؤتمرات الدولية بشأن المرأة والتنمية إسهاماً كبيراً في زيادة وعي المجتمع العالمي بقضايا التفاوت بين الجنسين، وحدث قدر كبير من الاستثمار في تعليم المرأة في العقدين الأخيرين، وضاقت التفاوتات بين الجنسين في مجال معرفة القراءة والكتابة بين البالغين وزاد معدل معرفة القراءة والكتابة بين النساء بشكل ملحوظ،، كما نجحت عدة بلدان ومناطق نامية في بناء القدرات البشرية الأساسية لكل من المرأة والرجل بدون تفاوت كبير بين الجنسين مثل هونغ كونغ وجزر البهاما وسنغافورة وأورغواي وتايلاند وتمكنت عدة دول فقيرة من أن ترفع معدلات القراءة والكتابة بين الإناث إلى أكثر من 70 % مثل زمبابوي وسيريلانكا وذلك بموارد محدودة ولكن التزام سياسي قوي، هذا الالتزام جعل البلدان التي تطبق النماذج الاشتراكية تستخدم التعبئة الاجتماعية والسياسية لتحقيق تقدماً سريعاً ومتعادلاً في التعليم والصحة للرجل والمرأة ولتوسيع الفرص المتاحة أمام النساء، والجدير بالذكر أن تحقيق نوع من التحسين في حياة المرأة لا يرتبط بالضرورة بارتفاع النمو الاقتصادي ولا يتوقف على ارتفاع الدخل والمقارنة بين الدول تبين أن إزالة التفاوت بين الجنسين لا تتوقف على وجود دخل مرتفع، بل على وجود التزام سياسي راسخ[61].

ورغم كل الجهود التي كانت تبذل لتحقيق تساوي الفرص بين المرأة والرجل، ما تزال الفجوات بين الجنسين كبيرة في مختلف المجالات، ولا يزال يتعين على المرأة في كثير من الدول العربية أن تقطع شوطاً طويلاً للحصول على حقوقها، فالنساء يشكلن 70 % من فقراء العالم وعدد النساء الأميات في العالم يفوق عدد الرجال بنسبة اثنين إلى واحد، وتشكل البنات ما نسبة 60% من الأطفال الذي يفتقرون إلى الحصول على التعليم الأساسي وكثيراً ما تعمل ساعات أطول من ساعات عمل الرجل دون تقدير لعملها أو اعتراف به، ويخيم خطر العنف بمختلف أشكاله على حياتها في العديد من المجتمعات[62].

هذا وقد شاركت سوريا- كغيرها من الدول- في العديد الجهود الدولية، فساهمت في مؤتمرات المرأة الدولية، وصادقت على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة بالإضافة إلى الكثير من المنظمات والهيئات الحكومية وغير الحكومية، التي تعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والوصول إلى تمكين المرأة في كافة المجالات، وشمول الخطط الخمسية في سوريا للكثير من الجوانب التي تتعلق بتمكين المرأة من أجل حصولها على حقوقها كاملة، فبذلت المؤسسات الحكومية وغير الحكومية جهوداً واضحة في السنوات القليلة الماضية لتحسين أوضاع المرأة وتعزيز مكانتها، فقد انخفضت نسبة الأمية بين النساء وارتفعت معدلات التحاق الإناث بمراحل التعليم المختلفة وتحسنت الأوضاع الصحية للمرأة فارتفع معدل العمر المتوقع للإناث عند الولادة وانخفضت معدلات الوفيات لدى الأمهات والأطفال وازدادت مشاركة النساء في قوة العمل وتوصلت المرأة السورية إلى تقلد العديد من المناصب القيادية وأثبتت جدارتها فيها[63]. لكن رغم التقدم الذي حققته المرأة السورية في التعليم والصحة وفي المجالات الأخرى خلال العقد الماضي، إلا أن المنجزات بقيت متواضعة، ولا تزال الحاجة ماسة لبذل المزيد من الجهود المكثفة في مجالات التعليم والصحة والعمل والمشاركة السياسية والحد من تأنيث الفقر، فلا تزال مشاركة المرأة في قوة العمل منخفضة، ومعدلات البطالة مرتفعة كما لا تزال مشاركة المرأة في مواقع اتخاذ القرار ضئيلة، وهي تتعرض لأشكال عديدة من العنف، وتتأثر في حياتها العامة والخاصة بالتطرف الديني وبالاتجاهات والقيم وأنماط السلوك السائدة في المجتمع التي تعدها دون الرجل في القدرات الجسدية والعقلية، والتي تنقلها وسائل الإعلام وتعمل على تثبيتها، فكل هذا يستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة، ووضع إستراتيجية شاملة للتنمية البشرية في سورية لتحسين موقعها بين الدول بطريقة ملموسة وبأقصر مدة ممكنة ولذلك علينا إذا أردنا أن نصلح من أحوالنا أن نعمل على ارتقاء شأن المرأة عامة و السورية بشكل خاص. وسيحاول الباحث من خلال هذه الدراسة والتي تحمل عنوان ( أثر تمكين المرأة ودوره في تحسين مستوى المعيشة- دراسة ميدانية محافظة الرقة نموذجاً ) تسليط الضوء على أهم الجوانب المتعلقة بتمكين المرأة مثل التمكين الاجتماعي والاقتصادي و السياسي ومدى قدرة المرأة على المشاركة في اتخاذ القرارات وأثر تحقيق التمكين في هذه الجوانب على مستوى المعيشة للمرأة وأسرتها بشكل خاص، وعلى التنمية بجوانبها المختلفة بشكل عام.

 

 

 

[1]– عبد المنعم جبري، المرأة عبر التاريخ، مطابع اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، 2006،ص193.

[2]– خضر زكريا، الوضع الاجتماعي للمرأة العربية، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1994،ص36.

[3]– عبد المنعم جبري ، مرجع سابق، ص 197.

-[4] عبد الهادي ،عباس، المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها، دار طلاس للطباعة والنشر، دمشق، 1987، الجزء الأول ص350.

[5]– خضر زكريا، مرجع سابق، ص32.

[6]– عبد الهادي عباس، مرجع سابق، ص54.

[7]–  عبد اللطيف، ياسين قصاب، مرجع سابق، ص42-43.

[8]– القرآن الكريم، سورة التكوير،الآيتين (7-8).

[9]– عبد المنعم جبري، المرأة عبر التاريخ البشري، الأوائل للطباعة والنشر، دمشق، 2006، ص48.

[10]– محمد أركون، مرجع سابق،ص42.

[11]–  جولييت منس، المرأة في العالم العربي، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1989، ص46.

-[12] عبد المنعم جبري، مرجع السابق، ص82.

[13]– عبد الهادي عباس، المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها، دار طلاس للطباعة والنشر ، 1987، الجزء الثالث، ص832.

[14]– ملحم شارول، المرأة والشأن العام في ضوء الاستطلاعات والأبحاث، كتاب باحثات، العدد الرابع، بيروت،1999،ص10.

[15]– عبد اللطيف ياسين قصاب، مرجع سابق، ص91.

[16]– عبد المنعم جبري، مرجع سابق، ص141.

-[17] إسماعيل شعبان، محاضرات في اقتصاديات التعليم، جامعة حلب، 2003.

[18]– علي عثمان، مرجع سابق، ص61.

[19]– فريدة النقاش، مرجع سابق،ص24.

[20]– عبد اللطيف ياسين قصاب، مرجع سابق، ص70.

[21]– جوليت منس، مرجع سابق، ص48.

-[22]عبد المنعم جبري، مرجع سابق، ص174.

[23]– عبد اللطيف ياسين قصاب، مرجع سابق، ص77.

[24]– محمد جميل، بيهم، المرأة في الإسلام والحضارات الغربية، دار الفكر للطباعة والنشر، ط1، 1921، ص53

[25]– المرجع السابق، ص55.

[26]–  عبد الرحيم بوادقجي، محمد خالد الحريري، علم السكان، منشورات جامعة دمشق، 2004، ص153.

[27]– القرآن الكريم، سورة النور، الآية (33).

[28]– القرآن الكريم، سورية النمل، الآيات، ( الآيات 57-58-59).

[29]– أشكال أخرى من التراكيب السكانية، محاضرة في دبلوم الدراسات العليا( السكان والتنمية) جامعة دمشق، 2006، ص7

[30]– محمد راتب النابلسي، رياض الداوودي، ندوة حول اتفاقية مكافحة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، المركز الثقافي العربي في كفر سوسة، 6- 12- 2007، الساعة السادسة مساءً.

[31]– القرآن الكريم، سورة النساء، الآية(1).

[32]– القرآن الكريم، سورة النساء، الآية، 124.

[33]-القرآن الكريم، سورة النجم، الآية 45.

[34]– القرآن الكريم، سورة الروم، الآية 21.

[35]– القرآن الكريم، سورة الذاريات، الآية 49.

[36]– القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 35.

[37]– القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 13.

[38]– القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 195.

[39]– القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 97.

[40]– القرآن الكريم، سورة الشورى، الآيات49-50.

[41]– عبد اللطيف ياسين قصاب، مرجع سابق، ص97.

[42]– القرآن الكريم، سورة الليل، من الآية 1 إلى 11.

[43]– محمد أركون، المرأة في الإسلام، مرجع سابق، ص90.

[44]– سنن أبي داوود.

[45]– رواه الترمذي والحاكم على شرط الشيخين.

[46]– صحيح البخاري.

[47]– فوزية العطية، المرأة والتنمية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مطبوعات الجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار، بغداد، 1988، ص22.

[48]– القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية71.

[49] – علي أحمد القليصي، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية، الجزء الأول، مكتبة الجيل الجيد، صنعاء،1997،ص14.

[50]– عبد اللطيف ياسين قصاب، مرجع سابق، ص132.

[51]– القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 1.

[52]– علي أحمد القليصي، مرجع سابق، ص15.

[53]– القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 7.

[54]– عبد المنعم جبري، مرجع سابق، ص85.

[55]– عبد اللطيف ياسين قصاب، مرجع سابق، ص112.

[56]– محمد جميل بيهم ، مرجع سابق ، ص58.

[57]– عبد الله عطوي ، السكان والتنمية البشرية، دار النهضة، بيروت، 2004، ص425.

[58]– برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 1996، ص6

[59] – فوزية العطية، المرأة والتنمية، مرجع سابق، ص 25.

[60]– رفيقة سليم محمود، المرأة مشكلات الحاضر وتحديات المستقبل، دار الأمين للطباعة والنشر، مصر، 1997، ص14.

[61]– مريم سليم وآخرون، المرأة العربية بين ثقل الواقع وتطلعات التحرر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، 1999، ص32.

[62]– برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 1995، ص2-4

[63]– بثينة شعبان، المرأة العربية في القرن العشرين، دار المدى للثقافة والنشر ، سوريا، دمشق، 2000، ص48.

 

انظر:

أثر تمكين المرأة ودوره في تحسين مستوى المعيشةـ”دراسة ميدانية ـ أنموذجاً محافظة الرقة ”
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد ،إعـــــداد الطالـب حسن الشيخ عمـر-
جامعة دمشق،كلية الاقتصاد،قسم الاقتصاد والتخطيط،2007- 2008

 

شاهد أيضاً

ماجستير: القتل بدافع الرحمة-عبدالمحسن بن محمد المعيوف-المعهد العالي للقضاء-فقه مقارن 1426

تقسيمات البحث : وقد انتظم البحث في مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة . المقدمة : أهمية ...

اترك تعليقاً