أخبار عاجلة
الرئيسية / عام / الطبيعة القانونية للانتخاب دراسة تحليلية لمسيرة الانتخاب التاريخية..عبدالعليم محمد عبدالكريم باعباد….دراسة مقدمة لنيل درجة الماجستير في القانون الدستوري 2003

الطبيعة القانونية للانتخاب دراسة تحليلية لمسيرة الانتخاب التاريخية..عبدالعليم محمد عبدالكريم باعباد….دراسة مقدمة لنيل درجة الماجستير في القانون الدستوري 2003

الانتخاب في نظام الحكم في الإسلام

يتميز نظام الحكم في الإسلام بأنه يقوم أساساً على دعائم تشكل حجر الزاوية في نظام الدولة في الإسلام ، هذه الدعـائم هي الشورى ، الحرية ، العدل ، المساواة .

ونظام الحكم في الإسلام له طابعه الخاص الذي يميزه عن الأنظمة الوضعية الأخرى ، حتى وإن تشابهت معه في بعض المبادئ التي تدعوا إليها الأنظمة الديمقراطية المعاصرة ، وترمي إلى تحقيقها مثل الحرية والعدالة والمساواة .

ولعلَّ أبرز ما يميز نظام الحكم في الإسلام في أنه “ينبع أساساً من مجموعة من القواعد الإلهية ، يتشكل وفقاً لها غايات الدولة وأهدافها وحدود ونطاق سلطة الدولة ، كما تحدد سلوك أفراد الجماعة الإسلامية حكاماً ومحكومين بحيث تعد هذه القواعد إطاراً قانونياً ملزماً للجماعة بأسرها([1]) فهو نظام له تصوره الخاص للإنسان و الكون والحياة ،  يتلـخص في أن الإنسان هو خلـــيفة الله في أرضه ، خلقه الله ليخلفه في أرضه ، ويستعمرها ويسكنها قال الله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرض خليفة ) آية (   ) سورة البقرة .

وغاية الإنسان من وجوده على هذه الأرض هي عبادة الله ،  قال تعـإلى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) آيه (    ) سورة الجن . كما أن هذه الحياة الدنيا إنما هي دارُ اختبار وامتحان لهذا الإنسان ، هل سيسير على النهج الذي رسمه له خالقه ودينه المنزل على أنبيائه بواسطة الوحي ، أم أنه سينحرف عنه  ؟ وفي كلا الحالتين فإن الآخرة هي دارُ الجزاء والحساب ، فإما جنة عرضها السماوات والأرض ، لمن آمن بالله واستقام على دينه ، وإما نارٌ لمن خالف أوامر الله فكفر بدين الله وصد عنه .

وهذا الكون مخلوق من مخلوقات الله ، سخره الله للإنسان ليعيش فيه ويستخرج ثرواته ، ويستفيد من خيراته .

والحياة هي حياتان ، حياة الدنيا وما فيها من إنسانٍ وحيوانٍ وأفلاكٍ وشموس ونجوم وكواكب ، ومآلها إلى الفناء والزوال ، قال تعالى ( كلٌ من عليها فان ` ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) آية (    ) سورة الرحمن ، أما الحياة الثانية ، فهي حياة الآخرة وهي الحياة الأبدية الدائمة التي تعتبر دارُ جزاء وحساب لما عمله الإنسان في الدنيا .

فهذا النظام الإسلامي المحكوم بقواعد منزله من عند الله ، بتصوراته الخاصة للإنسان والحياة والكون ، من شأنه أن يطبع النظام السياسي الإسلامي بطابع خاص ، يدل على ذاتية الإسلام وخصوصيته ، ولسنا هنا بصدد دراسة نظام الحكم في الإسلام ، بل ما نريد بحثه في هذا الطلب هو طريقة إسناد الحكم في نظام الحكم في الإسلام ، وبعبارة أدق الانتخاب في نظام الحكم في الإسلام .

 

أولا ً : الانتخاب في نظام الحكم في الإسلام

الانتخاب أو الاختيار في نظام الحكم في الإسلام ، مبدأٌ وأساس لـتشكيل النظام ، ولإسناد السلطة  ، وهي الطريقة الوحيدة المشروعة لإسناد السلطة وقيام نظام الحكم في الإسلام .

وحين بدأت نظم الحكم الوضعية بوسائل إسناد الحكم ( الأوتوقراطية ) أي المطلقة ، وأهمها الوراثة أو القوة التي لا رأي فيها للشعوب ولا إرادة ، ثم انتهت إلى الوسائل ( الديمقراطية ) التي للشعوب فيها الكلمة العليا ، فعلى خلاف ذلك نجد أن نظام الحكم الإسلامي بدأ بالأساليب التي تعد بلغة الفقه الدستوري الإسلامي شورية .. وهذه الأساليب الشورية يكون للأمة الإسلامية أو ممثليها من أهل الحل والعقد الكلمة الفاصلة في اختيار الحاكم ، وذلك على هدى وفي نطاق نصوص الشريعة(1).

ولقد تجسد مبدأ الانتخــاب عملياً عنـد اختيار أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان بمثابة رئيس الدولة ، وكذا عند اختيار الخلفاء الراشدين من بعده . وهو أمرٌ يبين بجلاء أن الأمة معنية بل مسئولة عن اختيار إمامها أو رئيسها ، وذلك بعكس ما مرَّت به المجتمعات البشرية من قبل ـ باستثناء الحضارة اليونانية التي عرفت الحرية والديمقراطية ـ وإلا فإنه لم يكن من حق الشعوب اختيار حكامها ، وكان ذلك سمة تلك الأنظمة حتى القرون الوسطى ـ و بالذات في الغرب ـ إلى أن بدأت تباشير الأنظمة الديمقراطية تظهر في أوربا في القرن السابع عشر وما بعده ، والتي ظهرت فيها الأفكار والآراء التي تدعوا إلى الديمقراطية والحرية والمساواة ، وحق الشعوب في اختيار حكامها وممثليها . وبالتالي ظهور الديمقراطية الغربية المعاصرة ( الديمقراطية اللبرالية).

أمَّا في الإسلام فإن الانتخاب أو اختيار رئيس الدولة ، قد كان مبدأ من مبادئ نظام الحكم نفسه ، وكوسيلة لإسناد السلطة ، وذلك تحت مسمى البيعة التي تعني اختيار أهل الحل والعقد في الأمة للإمام أو رئيس الدولة ومبايعة المسلمين وموافقتهم له ، وقيام السلطة فيه على الرضا والاختيار لا على الجبر والإكراه. وكان على من تتوافر فيه شروط الإمامة(*)  أن يحصل أولاً على ترشيح و لو من قبل طائفة قليلة ، ثم يتبع ذلك المبايعة الخاصة من قبل أهل الحل و لا عقد ، ثم البيعة العامة من قبل عامة المسلمين ، و في كل الأحوال تكون الشورى هي ملازمة هذا الاختيار أو هذه البيعة ، و سنتناول فيما يلي الأسس التي يقوم عليها نظام الانتخاب في الإسلام

ثانياً : الأسس التي يقوم عليها نظام الانتخاب في الإسلام

يقوم نظام الانتخاب في الإسلام على أسس تشكل جوهر هذا النظام وطريقته وخصوصيته النابعة من خصوصية الإسلام ذاته ، وبالتالي خصوصية نظام حكمه ، وسوف نتناول في هذا البند الأسس التي يقوم عليها نظام الانتخاب في الإسلام وهي كالتالي :

 

1) : قيام الانتخاب على الشورى .

2) : قيام الانتخاب على الحرية .

3) : قيامه على مبدأ الوجوب .

4) : قيامه على مبدأ المساواة .

1)  قيام الانتخاب على مبدأ الشورى :

يقوم الاختيار أو الانتخاب أو البيعة على أساس مبدأ الشورى ، مما يضفي على الانتخاب مفهوماً دينياً عميقاً . فالانتخاب في الإسلام ليس عادة سياسية كما درجت عليه الأنظـمة الوضعية لإضفاء المشـــروعية على أنظمة الحكم القائمة ، بغض النظر عن كونه قد تم بطرق صحيحة أو غير صحيحة ، بل هو وسيلة لإسناد الحكم والسلطة ، لتنفيذ واجب شرعي هو الشورى . هذا الواجب الديني لم يكُن وسيلة عصرية طارئة في حينها نادى بها مفكرون أو فلاسفة أو سياسيون ولكن أوجبها الخالق سبحانه في كتابه الكريم حيث يقول الله تعالى :     ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) آية (159) ( سورة آل عمران)  وحيث قد ورد الأمر من الشارع عز و جل ، فإن هذا الأمر يفيد الوجوب . ويقول جل شأنه : ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) ، الآية( 38 )       ( سورة الشورى) ،  فذكر الشورى بين فريضتي الصلاة والزكاة وهذا يدل على أهميتها وعظم شأنها .

وأما السنة النبوية فإنها مليئة بالشواهد العملَّية التي تدل على فرضية الشورى وإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يــــدعها لا في سلمه ولا في حربه ، وكذا في سائر شئون حياته ، ولهذا فالشورى في الإسلام ليست من الأمور التنفلية ، التي تترك لرغبة الحاكم ، فإن شاء استشار وإن شاء ترك ، بل الشورى في الإسلام واجبة على كل حاكم أو مسئول أو أمير )(1) ، ولذلك فهي تقوم على قواعد أساسية حكمها حكم المبدأ نفسه وهو الوجوب . ومن أبرز القواعد الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الشورى هي : إن الشورى حق مقرر للحاكمين والمحكومين ، وليس أحد الطرفين أحق به من الأخر ، فكما يستطيع الحاكمون أن يبدوا رأيهم في كل أمر من أمور الأمة ، يستطيع كل فرد من المحكومين أن يبدي رأيه في كل أمر من أمور الأمة (2) ، و إذا كان اختيار الخليفة أو الإمام يقوم علـى الشورى ، فالاختيار أو الانتخاب في الإسلام من  الأمور  التي جعلها الله شورى بين المسلمين إن لم يكن من أهم أمورها، فللأمة أن تختار رئيساً للدولة كلما خلى منصب الرئاسة بموت أو عزل أو استقالة ، ولا يجوز أن يفتات عليها في ذلك بأي وجه من الوجوه وإلا تعطل قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) ……………

…..والفقهاء متفقون على أن اختيار الإمام لا يكون إلا عن طـريق أهل الشورى، وأن بيعته لا تتم إلا إذا تم الاختيار على هذا الوجه(3) .

ولا شك أن تنفيذ هذا الواجب في المجال السياسي لن يتم إلا بالاختيار أو الانتخاب ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وهذا المفهوم الديني للانتخاب يجعل منه وسيلة تعبيرية على كل مسلم منوط به تنفيذ هذا الواجب . وهذا بخلاف الانتخاب في الأنظمة الوضعية التي جعلت الانتخاب كوظيفة بناءً على شروط متعلقة بالنصاب المالي والمركز الاجتماعي ، أو كحق من حقوق المنتخب فللمنتخب استعمال هذا الحق كما أن له تركه .

ومن شأن هذا المفهوم الديني للانتخاب أيضاً أنه يجعل الحق السياسي ـ في عرف الأنظمة الديمقراطية ـ واجب كفائي بمفهوم الإسلام ، وشتان ما بين هذين المفهومين ، فإذا كان الانتخاب في عرف الأنظمة الديــمقراطية حقاً سياسياً، فإنه بناءً على مفهوم “الحق” فعند ترك هذا الحق من قبل طائفة كبيرة، قد يؤول إلى ضياع هذه الوسيلة الشورية المتمثلة بالاختيار أو الانتخاب، وبالتالي تترتب الأضرار الكبيرة بالمصلحة العامة و المتمثلة بغياب الشرعية للنظام أو السلطة القائمة، وكل ذلك يحدث نتيجة عدم استعمال هذا الحق .

أما الواجب الكفائي في الإسلام إن لم يتنفذ ولم تقم به  الأمة، فإنه بسبب عدم القيام به  تأثم الأمة كلها ، ولا شك أن الأمة في مجموعها لن ترضى بأن تكون آثمة ، جراء عدم قيامها بهذا الواجب الكفائي ، وبالتالي فلا بد من القيام به ولو من قبل مجموعة بسيطة من الأمة لتسقط الحرج عن باقي الأمة. وهذا من شأنه استمرار الشورى كفريضة ، واستمرار البيعة كوسيلة لتحقيق هذه الفريضة ، وإعمالها فيه باعتبار الترجمة الحقيقة لمبدأ الشورى ، هو الأمر الذي يحد ـ إن لم يوقف ـ جنوح الحكام إلى النزعة الديكتاتورية وكذا استمرار بقية الأنظمة، لمسوغات شرعية ، وضمان التغيير السلمي والتبادل السلمي للسلطة بهذه الوسيلة السلمية ـ الانتخاب ـ التي لا شك أنها باستمرارها وتكرارها سوف تفضي في النهاية إلى تحقيق غاية الأمة ورغبتها في التغيير.

و هذا بخلاف ما إذا كان الانتخاب حقاً سياسياً فقط ، فإنه قد يترك من قبل جل الشعب ، أو قد يعتبره الحاكم منحة منه . ويترتب على تركه وعدم القيام به إما نزعة الحاكم إلى الهيمنة والتفرد ، وإما رغبة الشعب بالتغيير في الوسيلة الثورية  واستعمال العنف ،  مما يسبب الكوارث وسفك الدماء للشعوب ، خاصةً مع حرص الحكام على تركيز قيادة الجيوش بأيدي من يقدمون لهم الولاء المطلق والطاعة العمياء .

و لكل ما تقدم  نخلص إلى أن مفهوم الانتخاب في الإسلام ، مفهوم خاص ومتميز، ينبع من قيامه على أساس مبدأ الشورى أو قاعدة الشورى لأنها بذاتها تتطلب خمسة أمور  يجدر بنا أن نوردها كما يراها الأستاذ أبو الأعـلى المورودي، حتى تظهر العلاقة ما بين الاختيار والشورى ، وأن الاختيار ما هو إلا طريقة لتنفيذ الشورى و هذه الأمور هي :

(أ) : أن ينال الناس الحرية الكاملة في التعبير عن آرائهم في أمور المجتمع التي تتعلق بهم وبحقوقهم ومصلحتهم ، ويعلموا تمام العلم كيف يجري تصريف هذه الأمور .

(ب)  إن مسئولية تصريف أمور المجتمع لا بد أن تلقى على كاهل من يتم تعيينه أو اختياره برضا الناس ، وهذا الرضا لا بد أن يكون حراً .

(ج) أن يختار للتشاور مع القائد أو الملك الذين يحصلون على ثقة الشعب بعيداً عن طريق الضغط والإكراه والنفوذ ، وشراء الأصوات والتزوير ، وغير ذلك من وسائل الغش والخداع .

(د) أن يشير هؤلاء الممثلون بما يمليه عليه إيمانهم وضميرهم وأن ينالوا حرية التعبير عن رأيهم كاملة وتامة .

(هـ)  التسليم بما يجمع عليه أهل الشورى أو أكثرهم ، فلا معنى للشورى إذ استمع ولي الأمر إلى آرائهم ثم يختار ما يراه هو نفسه بحرية تامة(1)

2) قيام الانتخاب على مبدأ الحرية

فالاختيار أساساً ناتج عن مبدأ الحرية،  فلو لم يكن الشعب حراً لما كان من حقه الاختيار. إذ يكفي أن يستولي أي من الأشخاص الأقوياء على السلطة ويغتصبها لنفسه ويحكم الشعب بالغصب والإكراه ، وهو ما لا يرضاه الشرع ابتداءً ، ولا يسلم بمشروعيته العقل والمنطق . ومن هنا نجد أن الإسلام يدعو إلى الحرية في كثير من الآيات في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) آية (256) سورة  (البقرة ) ، وقوله تعالى  : ( لست عليهم بمســيطر ) آية (22 ) (الغاشية) ، وقوله تعالى : ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمـنين ) آية (99) (يونس) ،  فإذا كانت هذه الآيات تدعوا بصــراحة إلى حرية الاعتقاد،  فمن باب أولى أن تولي حرية اختيار الحاكم أهمية أكبر ، فالاختيار مرتبة دون الاعتقاد . وقد دعا الإسلام من أول يوم إلى تحرير العقل من حجاب التقليد وأوهام الخرافة ، وتحرير النفس البشرية من العبودية الأمر الذي أفضى بها إلى حرية اختيار حاكمها ومسئولها ـ بل أن دولة الإسلام تتأسس بعهدٍ واعٍ من شعبٍ حر يرضى أن تكون له مكانة الخليفة و أن يطبق أحكام وقوانين المالك الأصلي الواردة في القرآن الكريم …….. وهي دولة ذات سيادة تقوم على اختيار حر في اعتناق الأفراد لفكرتها وفي اجتماع المجموع لإقامة تلك الدولة، فهذه السيادة تأسست على تقديس الحرية واعتبرتها أساسها الفكري(1) .

وتتجلى الحرية في اختيار أهل الحل والعقل للخليفة أو الإمام ، وفي مبايعة الأمة له ، وفي عدم إكراه أمته على المبايعة ، فلا تتعرض لأي لون من ألوان الضغط أو الإكراه أو أي عامل من العوامل التي يمكن أن تفسد البيعة ، ثم أن تتوافر المعارضة لأنه يلزم من توفر الحرية  توفر المعارضة(2).

وهكذا نجد الاختيار أو الانتخاب أو البيعة تقوم على الحرية ، الحرية في النقاش وتبادل الرأي ووجهات النظر وصولاً إلى الرأي السديد والأصوب ، فالذي يتأمل المناقشات التي جرت في تلك السوابق ­ـ كبيعة أبى بكر ـ والمشاورات التي تمت بشأنها يجد أن الحرية كانت هي الطابع الأساسي الذي ساد طوال إجراء هذه المناقشات والمشاورات وخاصة قبول الرأي خلال المناقشات(3) . ففي البيعة الأولى لاختيار خليفة المسلمين بعد موت الرسول ـ صلى الله علية وسلم ـ اختلفت وجهة نظر المسلمين ، فجرى الحوار في سقيفة بنى ساعدة بين المهاجرين والأنصار وعلى رأسهم سعد بن عبادة ، وتجلت الحرية في أنصع معانيها بمحاولة كل فريق إظهار حججه وبراهينه لدعم رأيه وموقفة حيث ( دفع أبوبكر الصديق منازعة الأنصار والمهاجرين على رئاسة الدولة بالحديث المروي عن النبي ـ صلى الله علية وسلم ـ بكون الأئمة من قريش )(1) .

ولولا الحرية لما جرى النقاش ، ولما ساد الحوار ولما اقتنع الطرف الآخر بوجهة النظر الأخرى . وإذا نظرنا إلى الحرية التي كانت تسود الانتخابات في الدولة اليونانية مثلاً لوجدنا رغم ازدهارها ومحاولة المفكرين والمسلمين إلى جعلها مبدأ المدينة اليونانية الذي اقتصرت بنظرتها بجعل هذه الحرية حكراً على سكان المدينة الأصليين                    .

3) قيام الانتخاب في الإسلام على المساواة :

مبدأ المساواة مبدأ إسلامي أصيل ، جعله الله من المبادئ الأساسية لهذا الدين ، وتمخضت عن هذا المبدأ الكثير من النتائج كالمساواة في الحقوق السياسية وغيرها .

والقرآن الكريم ينص على هذه المساواة في كثير من آياته حيث يقول الله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجلعناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) آية (13) (الحجرات) ، فما دام أصل الخلقة متساوٍ واختلاف الناس شعوباً وقبائل  لم يكن إلا للتعارف ، فإن معيار التكريم عند الله هو التقوى وليس هناك من معيار سواه . ولهذا فجميع أحكام هذا الدين تخاطب الناس جميعاً ، وتفرض على المسلمين الالتزام بها بالسوية،لا فرق بينهم بين شريف ووضيع أو غني أو فقير أو رئيس أو مرؤوس ، ولهذا قال الله تعالى لقريش :( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) آية(199 ) سورة(البقرة ) ، وذلك أنهم كانوا يحددون لهم مكاناً خاصاً لهم للإفاضة يتميزون به عن من سواهم، فجاء النص صريحاً بالمساواة في اتخاذ مكان واحد للإفاضة للمسلمين جميعهم وليس هناك ما يبرر أو يفضل قريش عن من سواها عند الله إلا بما نص عليه القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة .

والسنة النبوية أيضاً جاءت مؤكدة لهذا المبدأ الأصيل ، حيث يقـول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ  : ( الناس سواسية كأسنان المشط )[2] ويقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى )(2) وأرسى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه المساواة عملياً فآخى بين المهاجرين والأنصار وقال ( سلمان منا آل البيت )(3) و سلمان هو ذلك الفارسي الذي لا يدلي إلى عصبية قريش بأي صلة.

وفي مجال الحقوق السياسية نجد أن المساواة متجسدة فيما يتعلق بحق كل مسلم وواجباته ، فليس هناك ما يميز مسلم عن غيره في مجال التمتع بالحقوق السياسية ، فكل مسلم حر بالغ عاقل من حقه أن يكون مبايعاً ومن حقه كذلك أن يترشح أمام المسلمين إذا استوفى الشروط الأخرى المتعلقة بالكفاءة الدينية والعلمية وبايعه المسلمون. ولقد عرفنا أن البيعة تؤخـذ من المسلمين عامــة وفي هذا دليل المساواة ( ففي رواية أبي إسحاق التي أوردها ابن هشام عـن كيفية اختيـار أبي بكر ـ رضي الله عنه يقول ” فبايع الناس أبابكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة”  ويذكر ـ ابن حجر ـ أن عمر ابن الخطاب بعد أن قدم المسلمين في المسجد مناقب أبي بكر قال : فقوموا فبايعوه ، وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعته العامة على المنبر قال الزهري عن أنس بن مالك : سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذٍ أصعد على المنبر فلم يزل حتى بايعه الناس عامه.. )(1) .

وهذا يدل على أن المسلمين قد تساووا في الحقوق السياسية وبالذات في البيعة ، أو ما نسميه اليوم بحق الانتخاب ” والخلافة بهذا التصور حق مشاع بين المسلمين جميعاً وكل مسلم حر عاقل بالغ من حقه أن يشارك في تلك البيعة “(2)

ولكن يبرز سؤال في هذا الموضوع هو إذا كان من حق كل مسلم حر عاقل بالغ أن يشارك في تلك البيعة ، فهل من حقه أن يترشح للخلافة إذا استوفى الشروط المتعلقة بالكفاءة العلمية والدينية ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وما صحة الشرط الذي يشترطه الفقهاء بضرورة أن يكون الخليفة قرشي ؟ وهل يخل هذا الشرط بمبدأ المساواة الذي يعتبر مبدأً من مبادئ نظام الحكم في الإسلام ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

للإجابة على هذه الأسئلة نقول :  أن ما اشترطه معظم الفقهاء بأن يكون الخليفة قرشي يستند إلى أدلة من السنة النبوية المطهرة وأجمع الصحابة ، فأما السنة النبوية فإنها قد أكدت ذلك بصورة واضحة لحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( الأئمة من قريش ) ، وهذا حديث صحيح روي من غير وجه وأحتج به الفقهاء(2) ، وكذا حديث ” أن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله”(1) إلى جانب أحاديث أخرى وردت بطرق مختلفة أدت إلى قبول هذا الشرط والعمل بمقتضاه ، كما انعقد الإجماع عليه فأصبح من قبيل المتواتر . ولكن برزت اتجاهات ثلاثة بشأن فهم الحديث و العمل به على النحو التالي :

الاتجاه الأول :

يرى أصحاب هذا الاتجاه حتمية هذا الشرط وعدم جواز العدول عنه وذلك لأن الحديث صحيح في سنده ومتنه ولا مجال للطعن فيه ، وعلى ذلك فلابد من اشتراط النسب القرشي في الخليفة .

الاتجاه الثاني :

ويسلم أصحاب هذا الاتجاه بصحة الحديث ، وبالتالي صحة الشرط ،ولكن هذا الشرط ـ بحسب هذا الاتجاه ـ يمكن العدول عنه لأنه شرط فيه محل للاجتهاد ، ولأنه شرط متوقف على العلَّة ، فإذا انتفت هذه العلَّة انتفى هذا الشرط ويمثل هذا الاتجاه الفقيه والمـؤرخ ابن خلـدون الذي يبرر رأيه بقوله: ( فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيلٍ ولا عصر ولا أمَة وعلمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلَّة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية ، فاشترطنا في القائم بأمور  المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية )(2) .

 

الاتجاه الثالث :

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن القرشية ليست وصفاً لازماً في المرشح لتولي رئاسة الدولة الإسلامية ، ويبرر أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بالقول إن اشتراط القرشية في الخليفة يخل بمبدأ المساواة ، وأنه وإن كان هذا الشرط محتماً في صدر الإسلام الأول فلأن ذلك كان من مستلزمات الواقع الاجتماعي الذي كان عليه المجتمع الإسلامي الأول والذي تفرضه عدة اعتبارات لعلَّ أهمها وضع قريش الاجتماعي والسياسي ، و عليه فلا يقبل القول باستمرار هذا الشرط بعد أن تغير الوضع الاجتماعي واتسعت الدولة الإسلامية(1) .

وبعد استعراض هذه الاتجاهات المختلفة بشأن اشتراط النسب القرشي في من يتولى رئاسة الدولة الإسلامية ، نرى أن أصحاب الاتجاه الأول الذاهبين إلى عدم جواز العدول عن هذا الشرط ، إنما يقفون موقفاً جامداً من فهم مقاصد الشريعة الإسلامية في أمر الخلافة ، وأنها إنما شرعت لأجل حراسة الدين وسياسة الدنيا وهذا الأمر يمكن القيام به ممن توفرت فيه الشروط الأخرى المعتبرة في الخليفة ، والقول بأن أحداً من الآخرين لا يمكنه القيام بأعباء هذه الخلافة يصادم الفطرة التي عليها الطبيعة البشرية ، فمن المعلوم أن الله تعالى لم يخص فئة من الناس أو قبيلة من القبائل بهبةٍ وفطرةٍ لا توجد في من سواهم ، يؤيد ذلك أن الأحكام الشرعية مطالب بها جميع المسلمين من مختلف الأجناس والأعراف . كذلك فعدم جواز العدول عن شرط النسب القرشي في الخليفة أو رئيس الدولة يصطدم بالواقع ، فالواقع يؤكد وجود غالبية الرؤساء للدول الإسلامية ـ التي تعتبر بمثابة إمارات إسلامية ـ  من غير النسب القرشي ، ولم يقل أحد بعدم صحة توليهم لإمارة بلدانهم . وقد يقول قائل أن ذلك متعلق في الإمامة العامة أو الولاية العامَّة للمسلمين جميعهم ، وليس بالإمارات أو الدول الإسلامية المجزئة.

ولكن الحال يصدق على الخلافة الإسلاميــة الكبرى أو الإمامة العظمى،  فمن المتصور وجود المسلم الكفء لولاية أمر المسلمين العامة من غير القرشيين ، كما أنه من المتصور وجود القرشي الذي يتساوى معه أو يفضل عليه ، وعليه فالواقع يخالف ما ذهب إليه أصحاب هذه الاتجاه الأول .

كذلك فإن أصحاب الاتجاه الثالث القائلين بعدم صحة هذا الشرط أو بعدم استمراره في وقتنا الحاضر يوقعون أنفسهم بالمحظور أو بالإثم ، وذلك بتعطيل نص شرعي قطعي في دلالته وفي ثبوته ، وهو ما لا يجوز شرعاً كما لا يجوز أخلاقياً ردَّ حديث الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وعليه فالذي يخرجنا من هذا المأزق الخطير الذي وقع فيه أصحاب هذا الاتجاه بدعوى أن اشتراط القرشية يخل بمبدأ المساواة الذي يعتبر أحد دعامات نظام الحكم في الإسلام ، ليس برد الحديث أو عدم العمل به ، و لكن بالجمع بين العمل بالحديث و العمل بمبدأ المساواة  أو بدون الإخلال بمبدأ المساواة  كالتالي: فإذا ترشح اثنان وتساويا في شروط الخلافة وكان أحدهما قرشياً وجب اختيار القرشي ولهذا لا يكون هناك إخلال بمبدأ المساواة لأنه لم يتقدم المفضول على الفاضل . ولكن إذا كان القرشي غير مستوفٍ لشروط الخلافة وكان غير مستوفٍ لها كلها قدم غير القرشي على القرشي ، لأن مقاصد الخلافة لا تتحقق بالقرشي وهو عاطلٍ وعارٍ من شروطها وإنما تتحقق بالآخر الكفء القدير ، لأن الأصل العام في الولايات لزوم توافر القدرة والكفاءة وقد وجدتا . وإن لم يوجد القرشي أصلاً كانت الخلافة لمن تتوافر فيه بقية شروطها(1)

ومن هنا نرى أن المساواة مبدأ إسلامي أصيل تمخض عنه المساواة في البيعة أو الاختيار أو الانتخاب ،  فمن حق بل من واجب عامة المسلمين مبايعة الخليفة ، ومن حق كل مسلم حر بالغ  عاقل استوفى بقية الشروط الأخرى المتعلقة بالكفاءة الدينية والعلمية أن يترشح للخلافة ، بغض النظر عن كونه قرشياً أم غير قرشي ،  فلربما فضل على القرشي بكفاءته الدينية و العلمية  فيكون الاختيار عليه بحسب ما ترجح لدينا ، وإن تساويا بالكفاءة فإنه عملاً بنص الحديث يكون الاختيار للقرشي ، ومن ثم  لا يعتبر ذلك إخلال بمبدأ المساواة ، لأننا بذلك نكون قد وفقنا بين العمل بالحديث و العمل بمبدأ بالمساواة .

و بالنظر إلى ما قررته الأنظمة الديمقراطية في بداية ظهورها ، من اشتراط بشروط معينة كتوفر النصاب المالي أو المركز الاجتماعي فيمن يحق له ممارسة الانتخاب ناخباً أو مرشحاً ، نجد أن الإسلام منذ  ظهوره قد تفرد بتقرير المساواة في الانتخاب ، بجعله واجباً كفائــــياً من واجبات الأمة كلها ممارسته، ولا يشترط فيمن يمارس هذا الحق السياسي توفر نصاب مالي أو مركز اجتماعي معين ، بل شروط شخصية ترجع إلى الأهلية والكفاءة الدينية والعلمية .

ثانياً : النموذج الذي جاء به الإسلام في عملية الانتخاب .

بعد أن عرفنا المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام وكذا المبادئ التي يتأسس عليها الانتخاب وهى الشورى والحرية والمساواة ،و كيف أن هذه المبادئ شكلت أساساً لجعل السلطة حق من حقوق أي فرد من أفراد الأمة يتمتع بالشروط التي نص عليها الفقهاء والمتعلقة بالكفاءة الدينية والعلمية .

ظهر لنا  أن الإسلام جاء بوسيلة جديدة لإسناد السلطة ، أو نمط جديد لم يكن موجود من قبل ، ولم يوجد إلا في قرون متأخرة من الحضارة الغربية . هذه الوسيلة وهذا النمط هو الاختيار أو الانتخاب ، وبمصطلح إسلامي أكثـــر دقة ( البيعة) التي تعنى اختيار الأمة للحاكم .

إن هذا الشكل القانوني لإسناد السلطة لم يكن معروفاً من قبل ،  إذ كانت السلطة تنتقل اما بطريق القوة والغلية واما بطريق الوراثة باستثنا ، ما وجد فى الحضارة اليوناتية عند وجود الديمقراطية المباشرة ، ولكن ومع وجودها فان النمط التى تكون فيها لتشكيل اجهزة السلطة هو النمط الديمقراطى فى الانتخاب او الاختيار ، وهو نمط يعد مقارنة با لمنط الذى جاء به الاسلام ناقصا لطبيعة الديمقراطية وذاتها والمبادء التى قامت عليها ، ولسنا هنا بصدد اجراء مقارنة بين النمط اليونانى والنمط الاسلامى فيما يتعلقبعملية الانتخاب ، ولكن ولكن لابد من الوقوف على اهم مايميز النمط الذى جاء بة الاسلام لعملية الانتخاب .

من حيث اساس مشروعية السلطة .

جاء الاسلام باساس جديد لمشروعية السلطة التى تتولى امر تنظيم المجتمع الاسلامى ، فالاسم نظام حياة جاء بتصور شامل كامل للانسان والكون والحياة ، وهواى الاسلام _ دين ودولة او عقية وشريعة والانسان فى هذة الحياة هو خليفة اللة فى ارضة قال تعالى ( واذ قال  ربك للملاائكة انى جاعل فى الارض خليفة ) البقرة : 30 وقال تعالى ( وهو الذى جعلكم خلائف الارض ) الانعام 165، بعد ان جاء الاسلام بهذا المبادى وبهذا التصور كان لابد وان يجعل امر تنظيم المجتمع الاسلامى او اقامت الدولة من الواجبات العامة التى لايتحقق اقامة النظام الاسلامى الا بها. يقول ابن تيمية (يجب انيعرف ان ولاية امر الناس من اعظم واجبات الدين لاقيام للدين الا بها(1)

فاساس مشروعية السلطة واصل وجودها واستمدادها هو القران الكريم والسنة والاجماع وكذا طبيعة احكام الشريعة الاسلامية ذاتها .

حيث يقول تعالى : ( ياايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ) (النساء 59)

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) . واما الاجماع فقد قال الفقهاء ، نصب الخليفة واجب بالاجماع ، واقوالهم في هذا كثيرة ومتعددة .(1)

ولهذا فالسلطة في حياة المجتمع الاسلامي ضرورة اوجبها الدين ، ذلك ان دور الدين فى حياة النلس ليس قائما على هدايتهم نحو صحيح العقيدة ، وانما هو ايضا هو ايضا لة دورنحو انتضام حياتهم وفق منهج اللة وشرعة ، وهذا لا الا اذا وجد صداة فى التطبيق احكام وقواعد مطبقة فى حياة الناس وعلاقتهم ، وهو ما يتتبع وجود قدرة اعلا منهم تملك انزال احكامها فيهم 2.

ومن الناحية التأرخية والعلمية فقد اقام الرسول صلى اللة علية وسلم الدولة الاسلامية فى المدينة بعد ان تحقق لها الاقليم المناسب الذى ييحتضنها وكان الرسولة صلى اللة عليةوسلم هو رئيس تلك الدولة وقد ادرل الفقهاء اجتماع صفة الامم _ الرئاسة _ مع صفة النبوة فى شخص الرسول الكريم صلى اللة علية وسلم وبينوا احكام ما يتصدر عنة بهذة الصفة او بتلك 1 .

ولذك كان الرسول صلىاللة علية وسلم يتصرف بحكمة رئيسا للدولة الاسلامية فى جميع علاقات هذة الدولة بغيرها كابرام الاتفاقات والعهود والمواثيق وبللنظر إلى اساس مشروعية الدولة فى الاسلام وبالتالى مشروعية السلطة فيها ومقارنتها باساس مشروعيته السلطة فى النظم الوضيعة الاخرى هى القوانين الأخرى هى القوانين البشرية . وشتان ما بين شريعة اللة وشريعة البشر .

غير ان الاسلام لم بنكر دور الامة ولم يشا ان تكون السلطة فى الاسلام سلطة الهية على غرار نظرية الحق الالهى المباشر التى سبق ذكرها ، وانما كان لابد ان تكون السلطة مستمدة مشروعها من الامة التى هى ( مسول عن تنفيذ اخكام الاسلام ، ومطالبت بة ، نهى نملك _ بداية _ السلطة على هذا التنفيذ _ بتمليك من الشارع وحيث ان جماعة المسلمين لاتستطيع ان تباشر سلطانها بصفتة الجماعية لتعذة فى الواقع ، فقد ظهرة النيابة فى الحكم والسلطان ن بان يختار الامة الخليفة لينوب عنها فى مباشر سلطاتها لتنفيذ ماهى مكلفة لتنفيذه شرعاً ، لأن إنابة المالك غيره في مباشرة ما يملكه أمر جزاء كما هو معروف في نظرية النيابة في الفقه الإسلامي ولذلك فقد كانت الخلافة إو إقامة الدولة في الإسلام من الواجبات العامة التي تعتني في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا فهي إذن مسئولية الأمة في تنفيذ هذا الواجب عن طريق انتخاب الخليفة عبر الاختيار الحر ، لأن مشروعية هذه الخلافة أو السلطة يجد أٍساسه في رضا المسلمين واختيارهم للخليفة أو الإمام أو الرئيس عبر طريقة جديدة جاء بها الإسلام تسمى ( البيعة ) أو هو ما نسميها اليوم بالانتخاب ، فما هي البيعة وما هو مضمونها هذا ما سنتناوله في البند التالي .

البيعة :

هي مصدر للفعل باع يبيع ببيعة قال ابن منظور رحمه الله : ( هي الصفقة على إيجاب البيع على المبايعة والطاعة ، والبيعة : المبايعة والطاعة ، وقد تبايعوا على الأمر كقوله : ( اصفقوا عليه وبايعوه مبايعة : عاهده ومبايعته من البيع جميعاً والتبايع مثلهم . وفي الحديث أن لا تبايعوني على الإسلام ) وهو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة كان كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره ، وقد تكرر ذكرها في الحديث وفي المعجم الوسيط بايعه مبايعة ، وبياعاً عقد معـه البيع ، فلاناً بايعه على كذا : عاهـده وعاقدة عليه وقال الحافظ بن حجر ـ رحمه الله ـ : المبايعة عبارة عن معاهدة ، سميت بذلك تشبيهاً للمعاوضة المالية .

وفي الاصطلاح :

البيعة هي العهد على الطاعة لأن المبايع يعاهد أميره أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين ، فيعطيه فيما يكلفه به من الأمر من المنشط والمكره ، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده كتأكيد للعهد فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري نسمي بيعه مصدر باع وصارت البيعة مصافحة بالأيدي وهذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع أو هي التزام مشترك بين جمهور المسلمين ممثلين في أهل الحل والعقد وبين من أختاره ليكون صاحب الأمر والمضطلع بأمر الخلافة الكبــرى وللحافـظ بن أبي جمرة مزيد تفصيل ، فيقول وأمَّا حقيقة معناه فهي بيع من البيوع لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ  قال بايعوني ولم يقل عاهدوني وهذا الذي يتضمن بمعناه شيئاً من أوساط الرق على ما سأبينه إن شاء الله تعالى .

إذا كانت البيعة بيعاً من البيوع فيحتاج إذاً إلى بيان المبيع ما هو ؟ والثمن ما هو ؟ فأما المبيع في هذا الموضوع هو ترك للنفس من الاختيار وتفويض الأمر لصاحب البيعة ليتعرف صاحب البيعة في من بايعهم بحسب أمر الله ـ عز وجل ـ وأما الثمن على هذا البيع على أي وجه من الوجوه المتقدم ذكرها فهو الجنة بشرط التوفيق فيها لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيعة العقبة إذ سأله الصحابة رضوان الله عليهم على مالهم من العوض على بيعتهم فقال الجنة وقالوا رضينا لا تنقض البيع ، فقد سمى الشارع عليه الصلاة والسلام البيع والثمن والمثمن ، وكذلك من باع بيعة من البيوع بعد ذلك على مقتضى لسان العلم الذي ذكرناه ، فهذا ثمنه مالم يقع نقضها .

والبيعة : هي المعاقدة على الإسلام والإمامة والإمارة والمعاهدة على ما يقع عليه اتفاق مما هو مشروع وجائز . وبمفهوم العصر فالبيعة عقد بين الأنة وبين من تختاره هذه الأمة ليكون حاكمها أو رئيسها يترتب عليه إلتزام طرفي العقد بالتزامات محددة فيلتزم الطرف المرشح للخلافة بأن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن يقيم الواجبات الدينية ويحكم بين الناس بالعدل كما أن على الأمة التزاماً يتمثل في السمع في الطاعة لمن بايعته ما دام مستقيماً على منهج الله أي أنه تعاقد سياسي يشترك فيه جميع أفراد الشعب إلا ما أستثني منهم بنص الشرع لعدم أهليتهم في ممارسة هذا الحق في قوله تعالى [ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما ] فهل من اختلاف بين العقد والبيعة ؟ والحقيقة أن العهد لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتومه الإنسان من بيع أو صلة أو موثق في أمر موافق للديانة وعلى ذلك ولما تقدم في الآيات القرآنية فالبيعة عهد من العهود يتميز بمجالها وضوابطها فهي تختص بالسياسة وأمور الحكم كطريقة لتنصيب الخليفة أو الإمام أو رئيس الدولة ولها ضوابطها المعروفة التي سنتحدث عنها لاحقاً .مستشهدين بالسوابق التاريخية للبيعة كطريقة لاختيار الحكام.

 

 

[1] د. فؤاد محمد النادي ، موسوعة الفقه السياسي ونظام الحكم في الإسلام  ، الكتاب الأول نظرية الدولة في الفقه السياسي الإسلامي ، الطبعة الأولى 1980م ، دار الكتاب الجامعي القاهرة ، ص18 . عن الدكتور أحمد كمال أبو المجد :  نظرات الفقه الدستوري في الإسلام ، محاضرة .

(1) د. علي محمد حسنين مرجع سبق ذكره ص5

(*) وهي شروط متفق عليها ومختلف فيها ، فأما المتفق عليها فهي العلم بكتاب الله وسنة رسوله والعدالة والكفاية وسلامة الحواس ، وأما المختلف فيها فهي شروط القرشية والهاشمية وأن يكون الإمام أفضل من الرعية وما يشترطه غلاة الشيعة علاوة على ذلك أن يكون صاحب معجزات عالماً بالغيب وجميع اللغات والحرف وطبائع الأشياء .. وكذا العصمة . وهي شروط سنتطرق لدراسة بعضها لاحقاً في هذا البحث .

(1) د. محمد عبدالقادر أبو فارس : النظام السياسي في الإسلام ، دار الفرقان ،1986م ، ص89 .

(2) الشهيد عبدالقادر عودة : الإسلام وأوضاعنا السياسية ، مؤسسة الرسالة ،ص199-200

 

(3) الشهيد عبدالقادر عودة : المرجع السابق ، ص14 و ص216 .

(1) د. عبدالغني بسيوني عبدالله : النظم السياسية والقانون الدستوري ، منشأة المعارف 1997م ، ص 306 عن الأستاذ : أبي الأعلى المورودي : الحكومة الإسلامية ، ترجمة الأستاذ أحمد إدريس ، المختار الإسلامي ، القاهرة ص94 .

(2) د. عبدالله محمد جمال الدين : نظام الدولة في الإسلام دائرة الثقافة للنشر والتوزيع 1990م ،ص235-236

(2) نفس المرجع ص156 .

(3) د. علي محمد حسنين :                      مرجع سابق ، ص41.

(1) د. فؤاد محمد النادي : موسوعة الفقه السياسي ونظام الحكم في الإسلام ، الكتاب الثاني ، طرق اختيار الخليفة ط 1980م ، جامعة صنعاء ، ص77.

[2]

(2)

(1) فتح الباري  ، ج16، ص335 عن د. علي محمد حسنين.

(2) د. عبدالله محمد جمال الدين: نظام الدولة في الإسلام ، مرجع  سابق ص156 .

(5) د. عبدالكريم زيدان: أصول الدعوة الإسلامية ، مؤسسة الرسالة ص   عن الملل والنحل لابن حزم ، والموردي  وأبو يعلى ص4.

(1)

(2) مقدمة ابن خلدون                                                                   ص198 .

(1) د. فؤاد محمد النادي مرجع سبق ذكره ص

(1) د. عبدالكريم زيدان : أصول الدعوة الإسلامية ، مرجع سابق ،  ص 215-216.

شاهد أيضاً

ماجستير: القتل بدافع الرحمة-عبدالمحسن بن محمد المعيوف-المعهد العالي للقضاء-فقه مقارن 1426

تقسيمات البحث : وقد انتظم البحث في مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة . المقدمة : أهمية ...

أضف تعليقاً