أخبار عاجلة
الرئيسية / عام / الصوت.. والمستوى الصوتي..

الصوت.. والمستوى الصوتي..

الدراسات الصوتية:

لاشك أن علماء اللغة المحدثين قد أثْروا الدراسات الصوتية ثراءً واسعاً وملموساً، وأصبح لهذا العلم مادةً منهجية يَدْرسها الطلاب في المراحل الجامعية والدراسات العليا كما تُدرس العلوم الأخرى.

وقد ساعد هؤلاء  العلماء على ثرائهم هذا التقدم العلمي المتمثل بـ(التكنولوجيا) الحديثة المتطورة فأغنوا الدراسة الصوتية بشقيها:

  • الفونيتكس([1]) (Phonetics) أو علم الأصوات.
  • الفونولوجيا([2]) (Phonology) أو علم وظائف الأصوات.

وذلك من خلال الدراسات والبحوث والمقالات، وساهموا مساهمةً فاعلة حتى وصل هذا العلم إلى ما وصل إليه، وهذا لا يعني أن علماء اللغة العربية القدامى قد تجاهلوا هذا العلم وأغفلوه. فالدراسات الصوتية ليست وليدة عصر علماء اللغة المحدثين، وإنما قد أثارت – قديماً- اهتمام علماء اللغة القدامى من الشعوب المختلفة كاليونان والرومان والهنود، بالإضافة إلى علماء العربية الذين اهتموا بهذه الدراسة على اختلاف مستوياتهم وتنوع اهتماماتهم([3]).

والدراسات الصوتية على حد تعبير الدكتور علي المخلافي: “ليست جديدة أو طارئة على حقل البحث اللغوي، بل هي دراسات ضاربة الجذور في عمقه”([4]).

ولو عدنا إلى جهود بعض علماء العربية القُدامى كالخليل الفراهيدي، وسيبويه، وأبي الفتح ابن جني لوجدنا في جهودهم ما يجعلنا على قناعة أنهم وضعوا اللبنة الأولى لبناء هذا العلم.

وقبل الحديث عن جهود هؤلاء الأعلام الثلاثة، أرى من المستحسن  الإشارة إلى الدور البارز لعلماء التجويد وا لقراءات القرآنية حيال الدراسات الصوتية، فقد اهتموا بمخارج الأصوات العربية وصفاتها، ووجدنا لديهم مصطلحات صوتية كـ(الإشمام([5])، والإشباع، والروم([6])، والإمالة([7])، والإظهار، والإخفاء، وترقيق الأصوات وتفخيمها). وأنصع دليل على ذلك ما فعله ابن الجزري في (المقدمة الجزرية) و (كتاب النشر في القراءات العشر) وغيره من العلماء الذين أثْروا هذا العلم، كعلماء البلاغة الذين أشاروا إلى تنافر الأصوات وائتلافها وبينوا علاقة ذلك بأساليب الخطاب، وحسن البيان، وكذلك علماء العروض ومؤلفي المعاجم اللغوية وغيرهم.

وعودةً إلى جهود أعلام اللغة العربية حيال الدراسة الصوتية، وهم على النحو الآتي:

 

أولاً: الخليل بن أحمد الفراهيدي ، (ت:175هـ).

يرى بعض علماء اللغة المحْدَثين: أنّ الخليل بن أحمد مبتدع ومؤسس علم الأصوات العربية بل رائده الأول، وقد أشار إلى هذا محققا كتاب العين بقوله: “إن مقدمة العين على إيجازها أول مادة في علم الأصوات دلّت على أصالة علم الخليل وأنه صاحب هذا العلم ورائده الأول([8])” وزاد “إن مقدمة العين مادة غزيرة في علم الأصوات العربية وعلم وظائف الأصوات (Phonologie) وهي بهذا تُعد من أهم الوثائق في علم اللغة التاريخي، وذلك لتقدمها، ولأن صاحبها مبتدع مؤسس لم يأخذ علمه هذا عن معاصر له أو سابق عليه”([9]).

وسنورد أهم جهود الخليل لعلّنا نصل إلى صحة ما وُصف به آنفاً:

1- إن الأصوات اللغوية عند الخليل جاءت مرتبة ترتيباً صوتياً، ولم يتبع في ترتبيها النظام الألفبائي الهجائي المعروف، وترتيبه كالآتي: ع ح هـ خ غ، ق ك، ج ش ض ، ص س ز ، ط د ت ، ظ ث ذ، ر د ن ، ف ب م ، و أ ي همزة.
وقد علل على اختياره للترتيب الصوتي أن : “مخرج الكلام كله من الحلق، فصيّر أولاها بالابتداء أدخَلَ حرفاً منها في الحلق وإنما كان ذوقه إياها أنّه كان يفتح فاه بالألف ثم يظهر الحرف بنحو (اَ بْ اَ تْ اَ خْ اَ عْ اَ غْ) فوجد العين أدخل الحروف في الحلق فجعلها أول الكتاب، ثم ما قرب منها الأرفع فالأرفع حتى أتى على آخرها وهو الميم”([10]). وهذه الطريقة علمية دقيقة راعت مخرج نطق كل حرف من حروف الكلمة، وبدأت بأبعدها مخرجاً كما ذكر.

2- يرى الخليل: أن أوّل الحروف مخرجاً الهمزة، لكنه لم يبدأ معجمه بها، ويعلل بقوله: “أما الهمزة فمخرجها من أقصى الحلق مهتوتة مضغوطة، فإذا رُفّه عنها لانت فصارت الياء والواو والألف عن غير طريقة الحروف الصحاح”([11]) وأضاف “والهمزة في الهواء لم يكن لها حيّز تنسب إليه”([12]).

3- قسّم الخليل مخارج حروف العربية على ثمانية مخارج في جهاز النطق وعلى النحو الآتي: حلقية، لهوية، شجرية، أسلية، نطعية، لثوية، ذلقية، شفوية. وقال: “الحلقية لأن مبدأها من الحلق”([13]) ، وكذا قال في كل المخارج الثمانية المذكورة.

4- ذكر الخليل الفروق بين بعض الأصوات مثل: (الحاء والعين، والحاء
والهاء) فقال: “لولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين”([14]) وقال في الهاء: “ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء
من الحاء”([15]).

 

ثانياً: سيبويه:

خصص سيبويه (ت180هـ) – وهو تلميذ الخليل – خصص في كتابه لمشهور أبواباً تحدث فيها عن القضايا الصوتية بجانبيها الفونتكس (Phonetic) والفونولوجيا (Phonology) فذكر عدد الحروف العربية وحددها بسبعة وعشرين حرفاً، ثم بين مخارجها وصفاتها.

ثم ذكر الحروف الفرعية وقسمها إلى:

1- حروف مستحسنة وهي: النون الخفيفة، والهمزة التي بين بين، والألف
التي تمال إمالة شديدة، والشين التي كالجيم، والصاد التي تكون كالزاي،
وألف  التفخيم.

2- حروف غير مستحسنة، وهي : الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء([16]). وليت سيبويه ضرب الأمثلة على هذه الحروف حتى نعرف كيفية نطقها، وعلى كل حال صنّف سيبويه الأصوات العربية ووصفها وصفاً دقيقاً، هذا التصنيف والوصف “تناقلتهما التآليف العربية من بعده”([17]).

 

ثالثاً: ابن جنّي:

لعل أبا الفتح عثمان بن جنّي (ت392هـ)، أكثر من سابقيه استقراءً
وتناولاً للدراسة الصوتية والوقوف بتوسع ودقة حيال الظاهرة الصوتية والمصطلحات ذات العلاقة بهذا العلم، والمطلع على كتابيه (الخصائص) و (سر صناعة الإعراب) يتبيّن له مدى اهتمام هذا العالم الكبير بالدراسة الصوتية،
وكيف استطاع أن يجعل من كتابيه المذكورين مصدراً من المصادر الأساسية
لعلم الأصوات اللغوية. وهو “أول عالم استعمل نظرية المخارج في تعليل
ظاهرة الإبدال”([18]).

ويمكن تلخيص أهم جهود ابن جني في الجانب الصوتي فيما يأتي:

1- تصنيفه لكتابين مهمين في مجال علم الأصوات اللغوية هما: (سر صناعة الإعراب) و (الخصائص).

2- توضيحه لكيفية معرفة مخارج الحروف، يقول: “سبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحرف أنْ تأتي به ساكناً لا متحركاً لأن ا لحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره وتجتذبه إلى جهة الحرف الذي هي بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله لأن ا لساكن لا يمكن الابتداء به، فنقول : (اِكْ اِقْ اِجْ وكذا سائر الحروف”([19]).

3- فرّق بين الأصوات الشديدة والرخوة فقال: “إن بعض الحروف أشد حصراً للصوت من بعضها ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام اِذْ، اِطْ، اِنْ، فلا تجد للصوت منفذاً هناك، ثم تقول: اِسْ، اِصْ، اِزْ، اِذْ، اِثْ، اِفْ، فتجد الصوت يتبع الحرف”([20]).

4- بيّن ابن جني كيفية حدوث الصوت اللغوي وضرَب مثالاً بوتر العود
“فإنّ الضارب إذا ضربه وهو مرسل سمعت له صوتاً، فإن حَصَر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتاً آخر فإن أدناها قليلاً سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة”([21]).

5- تعرّض ابن جني للحركات فقال: “اعلم أن الحركات أبعاض حروف المدّ واللين، وهي الألف والياء والواو فكما أن هذه الحروف ثلاثة فكذلك الحركات ثلاث وهي الفتحة والكسرة والضمة. فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو”([22]).

6- علّل سبب الإطالة في الحروف الثلاثة اللينة الصوتية وهي: الألف والياء والواو بقوله: “وإنّما مطلت ومدت هذه الأحرف في الوقف وعند التذكر من قبل أنك لو وقفت عليها غير ممطولة ولا ممكنة المدّة، فقلت: ضرباً
وضربوا واضربي، وما كانت هذه حاله وأنت مع ذلك متذكر لم توجد
في لفظك دليلاً على أنك متذكر شيئاً، ولأوهمت كل الإيهام أنك قد تممت كلامك ولم يبقَ من بعده مطلوب متوقع لك، لكنك لما وقفت ومطلت
الحرف عُلم بذلك أنك متطاول إلى كلام تالٍ للأول منوط به مفقود ما قبله على تضمنه وخلطه بجملته”([23]).

هذه بعض من جهود علماء اللغة القدامى حيال القضايا الصوتية.

وستكون لنا وقفات مع هذه الجهود وغيرها عند ذكرنا للقضايا الصوتية في لهجة صعدة موضوع بحثنا إن شاء الله.

 

تعريف الصوت اللغوي:

عرّف ابن جنّي الصوت بأنه: “عَرَض يخرج من النَّفَس مستطيلاً متصلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً”([24]).

كما عرّف الجاحظ الصوت اللغوي بقوله: “هو آلة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف ولن تكون حركات اللسان لفظاً “وكلاماً موزوناً ولا منثوراً إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف”([25]).

وفي اللسان : “الجرس الصوت نفسه”([26]).

أمّا المحدَثون فيقول روبن (Robin) عند تعريفه للصوت: “هو اضطراب مادي في الهواء يتمثل في قوة أو ضعف سريعين للضغط المتحرك من المصدر في اتجاه الخارج ثم في ضعف تدرجي ينتهي إلى نقطة الزوال النهائي”([27]).

ويقول الدكتور إبراهيم أنيس: “الصوت ظاهرة طبيعية ندرك أثرها دون أن ندرك كنهها”([28]).

([1]) الفونيتكس: هو مصطلح يختص بدراسة الأصوات المنطوقة بالفعل في الكلام، فيُنظر في حركة أعضاء النطق وأوضاعها، كما يلاحظ الذبذبات الهوائية الناتجة مباشرةً عن هذه الحركات والأوضاع.

([2]) الفونولوجيا: هو مصطلح يختص بدراسة الفونيمات (الوحدات الصوتية) وهي العناصر المكونة للمعنى اللغوي، وهي عناصر غير مادية، إنها عناصر عقلية، ويكون تحقيقها المادي بوساطة الصوت الفعلي أو النطق أما مدرسة (براغ) فقد اعتبرت الفونيتكس: علماً طبيعياٍ يستخدم وسائل آلية، واعتبرت (الفونولوجيا) علماً لغوياً. يُنظر تفصيل المصطلحين في: علم اللغة العام (الأصوات)، د.كمال بشر/36، دار المعارف بمصر، 1973م، وعلم اللغة مقدمة للقارئ العربي: د. محمود السعدان: 200، دار النهضة العربية، بيروت.

([3]) ينظر: المرجع السابق / 87 ، والأصوات اللغوية، د.إبراهيم أنيس/ط6، القاهرة، 1961م.

([4]) المنسوب إلى لهجات اليمن في كتب التراث العربي ، دراسة لغوية تحليلية:79، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004م.

([5]) (الإشمام: هو : الإشارة إلى حركة الرفع من غير تصويت)، النشر في القراءات العشر: ابن الجزري: 2/121، دار الكتب العلمية ، بيروت.

([6]) (الروم: هو: النطق بالحركة بصوت خفي) ، المرجع السابق : 2/121.

([7]) جاء في لسان العرب: 11/636: “الميل : العدول إلى الشيء والإقبال عليه ، وكذلك الميلان. ومال الشيء يميل ميلاً وممالاً ومميلاً وتميالاً” . والإمالة في الاصطلاح : “جنوح بالألف إلى صوت الياء ، والفتحة إلى صوت الكسرة” دروس في علم أصوات العربية: جان كانتينو: 254، أوفست الشركة التونسية، تونس، 1966.

([8]) مقدمة تحقيق كتاب العين للخليل بن أحمد: 14، تحـ، د.مهدي المخزومي، و د.إبراهيم السامرائي، المط، باقري – قم، ط1، 1414هـ.

([9]) المرجع السابق : 19.

([10]) المرجع السابق: 42.

([11]) المرجع السابق: 47.

([12]) المرجع السابق: 53.

([13]) مقدمة العين : مرجع سابق: 53.

([14]) المرجع السابق: 53.

([15]) المرجع السابق: 53.

([16]) 4/432 الكتاب، لسيبويه: 4/432، تحـ:عبدالسلام هارون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1982م.

([17]) علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي:94.

([18]) المصطلح الصوتي في الدراسات العربية:23.

([19]) سر صناعة الإعراب، ابن جني 1/19، تحـ: أحمد فريد أحمد، المكتبة التوفيقية.

([20]) سر صناعة الإعراب : أبي الفتح: عثمان بن جني : 1/19، تحـ: أحمد فريد أحمد، المكتبة التوفيقية.

([21]) المرجع السابق:1/20-21.

([22]) المرجع السابق: 1/28.

([23]) الخصائص، ابن جني: 3/91، تحـ: عبدالحكيم بن محمد،  المكتبة التوفيقية.

([24]) سر صناعة الإعراب: 1/16.

([25]) البيان والتبيين: 1/79، طبعة القاهرة، ت1960.

([26]) لسان العرب: 6/35.

([27]) نقلاً عن (علم الأصوات اللغوية) د.مناف مهدي: 13، عالم الكتب، بيروت، ط-1، ت1998م.

([28]) الأصوات اللغوية: 6.

 

 

 

من رسالة الدكتوراه: لهجة صعدة.. للباحث:عبدالله يحيى زيد الحوثي.. جامعة صنعاء..2007

شاهد أيضاً

ماجستير: القتل بدافع الرحمة-عبدالمحسن بن محمد المعيوف-المعهد العالي للقضاء-فقه مقارن 1426

تقسيمات البحث : وقد انتظم البحث في مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة . المقدمة : أهمية ...

اترك تعليقاً