أخبار عاجلة
الرئيسية / عام / أحكام الضمان الاجتماعي دراسة تأصيلية – عبد الله بن محمد أبا الخيل- رسالة دكتوراه- جامعة الإمام-المعهد العالي للقضاء

أحكام الضمان الاجتماعي دراسة تأصيلية – عبد الله بن محمد أبا الخيل- رسالة دكتوراه- جامعة الإمام-المعهد العالي للقضاء

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :

فقد أنعم الله سبحانه على أمة الإسلام وأتم عليها نعمه بأن جعل رسولها خاتم الرسل وشريعتها خاتمة الشرائع ، وقد أقام المسلمون دولتهم على أساس متين من العلم والإيمان ، في ظل الشريعة الكاملة التي تتمتع إلى جانب كمالها بالشمول والمرونة ، وإن من أهم ما عنيت به الشريعة في هذا المجال تحقيق كفاية العاجزين والمحتاجين في المجتمع المسلم . حيث يقتضي النظام الإسلامي في هذا المجال – إذا كان الفرد محتاجاً وعاجزاً عن الاكتساب – وقوع المسؤولية الكاملة لضمان العيش والحياة بشكل لائق على المجتمع ، وذلك عبر وسائل مختلفة تقوم بها الدولة ، والنظام المعني بهذا الأمر هو نظام النظام الاجتماعي بالاصطلاح الحديث ، وبناءً على ذلك ولأهمية هذا الموضوع الظاهرة فقد جاء اختياري لموضوع ( أحكام الضمان الاجتماعي دراسة تأصيلية وتطبيقية ) ، ليكون مجالاً للدراسة والبحث في مرحلة الدكتوراه ، وتتجلى أهمية الموضوع فيما يلي :

أولاً : أن الضمان الاجتماعي إذا طبق بشكل سليم يعمل على تحقيق المقاصد الشرعية وحماية الضرورات الخمس وتحرير الإنسان من قيود الحاجة والعوز.

 

ثانياً : أن نظام الضمان الاجتماعي يعبر عن وجود قدر مرض من العدل الاجتماعي الذي يمثل غاية لجميع الأمم التي تتطلع إلى الاستمرار في ظل أوضاع مستقرة إذ بدون هذا العدل ينهار البناء الاجتماعي للدولة مما يؤدي إلى ضعفها .

ثالثاً : من المعلوم ضرورة أن العجز والفقر موجودان في كل مجتمع وفي كل زمان ومكان لذا كان لزاماً على الأمم في سعيها نحو الرقي والتقدم أن تهتم برعاية الفئات المحتاجة والعاجزة ، وإلا فإنها ستعوق تقدمها ، ورقيها بل قد توقفه.

رابعاً : الضمان الاجتماعي هو ضمان اقتصادي في المقام الأول لجميع أفراد الأمة وكافة فئاتها ، فغنى اليوم قد يكون فقيراً في الغد وصحيح الجسم قد يؤول حاله إلى المرض والعجز . وبالتالي فإن علاقة الضمان الاجتماعي بجميع أفراد المجتمع أمر غني عن البيان .

خامساً : مما يزيد الموضوع أهمية في العصر الحاضر سيطرة الاتجاه المادي الرأسمالي على الأنظمة الاقتصادية في أغلب دول العالم إن لم يكن جميعها حيث يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الأنظمة الاجتماعية والترابط الاجتماعي وذلك بتكوين اتجاه مادي يحكم هذه العلاقات الاجتماعية ، وفي ظل وجود هذا الاتجاه وتزايده في الوقت الحاضر كان لابد من قيام أنظمة موازية تحفظ توازن المجتمع وانسجامه ، وتسير جنباً إلى جنب مع النظام الاقتصادي السائد فتضمن له الحماية والاستمرار حيث يعالج الضمان الاجتماعي من هذه الزاوية مشكلة البطالة في المجتمعات التي يسود فيها نظام الاقتصاد الحر .

سادساً : ومما يبين الأهمية البالغة لهذا الموضوع اهتمام جميع الدول به مما أدى إلى النص عليه في المواثيق الدولية حيث أكد الميثاق الأطلــسي لعام 1941م على أهمية تحقيق الضمان الاجتماعي لجميع الأفراد ثم أتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م ليؤكد حق الأفراد في الضمان الاجتماعي ، ولقد سبقتهم شريعتنا الإسلامية الغراء في إقرار هذا الضمان بقرون عديدة .

 

منهــج البحــث :

لقد حرصت أثناء إعدادي لهذا البحث على الالتزام بالمنهج التالي :

  • أعرض المسائل وأبين أحكامها مع الاستدلال عليها بنصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الأمة وأذكر خلافهم إن وجد مع الاستدلال والمناقشة والترجيح .
  • لقد سلكت في بيان موقف الفقه الإسلامي من المسائل المطروحة المقارنة بين المذاهب الأربعة في الغالب وقد أذكر أحياناً قول أهل الظاهر وبعض أئمة السلف، للخروج بالرأي الراجح في المسائل الخلافية وفقاً لما يقتضيه الدليل.
  • اعتمدت في نسبة الأقوال إلى المذاهب على المصادر الأصيلة ما أمكنني ذلك مع الاطلاع على الكتب والأبحاث الحديثة المتعلقة بالموضوع .
  • قمت بعرض ما يقضي به النظام السعودي بالرجوع إلى الأنظمة والقرارات واللوائح المتعلقة بالموضوع وقد اقتضت مصلحة البحث في بعض المواضع التطرق إلى أنظمة الضمان الاجتماعي في دول العالم المختلفة ، والمواثيق الدولية المتعلقة بموضوع البحث .
  • قمت بعزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله الكريم بذكر السورة ورقم الآية، وقد حرصت على تمييزها بخط مختلف مع الالتزام بالرسم العثماني قدر الإمكان .
  • قمت بتخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية ، فإن ورد الحديث في الصحيحين أو أحدهما كان حكماً بصحته وإلا فإني أبحث عما يدل على قبوله أو رده من كلام أهل العلم بالحديث .
  • ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في البحث ترجمة موجزة ، عدا الأعلام المشهورين كالخلفاء الأربعة ، والأئمة الأربعة .
  • وثقت النقول النصية بذكر اسم الكتاب والمؤلف والجزء ورقم الصفحة وإذا اقتصر النقل والاقتباس على الفكرة والمعنى دون النص وضحت ذلك في الهامش بعبارة (انظر) .
  • قمت بذكر بيانات المراجع في الهامش عند ورودها أول مرة في البحث .
  • قمت بوضع فهارس للبحث تعين القارئ وتيسر له الوصول إلى جزئياته ، وهي:
  • فهرس الآيات القرآنية .
  • فهرس الأحاديث النبوية والآثار .
  • فهرس الأعلام .

 

  • فهرس المصادر والمراجع .
  • فهرس الموضوعات .

 

خطــة البحــث :

قمت بتقسيم خطة البحث بعد هذه المقدمة إلى فصل تمهيدي وأربعة أبواب وخاتمة.

وقد تضمن الفصل التمهيدي سبعة مباحث ، وهي :

المبحث الأول : معنى الضمان الاجتماعي ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : تعريف الضمان في اللغة .

المطلب الثاني : تعريف الضمان الاجتماعي في الاصطلاح .

المبحث الثاني : تمييز الضمان الاجتماعي عما يشتبه به .

المبحث الثالث : حث الإسلام على الاكتساب .

المبحث الرابع : مشروعية الضمان الاجتماعي .

المبحث الخامس : نشأة الضمان الاجتماعي وتطوره التاريخي .

المبحث السادس : أهمية الضمان الاجتماعي وخصائصه ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : أهمية الضمان الاجتماعي .

المطلب الثاني : خصائص الضمان الاجتماعي .

المبحث السابع : الضمان الاجتماعي والسياسة الشرعية .

 

أما الباب الأول فهو بعنوان : أركان الضمان الاجتماعي ودوافعه وتنظيمه الإداري ، وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول : أركان الضمان الاجتماعي ، وفيه ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : الضامن .

المبحث الثاني : المضمون .

المبحث الثالث : المضمون فيه .

الفصل الثاني : دوافع الضمان الاجتماعي ، وفيه أربعة مباحث :

المبحث الأول : الدوافع الدينية .

المبحث الثاني : الدوافع الاجتماعية .

المبحث الثالث : الدوافع الاقتصادية .

المبحث الرابع : الدوافع السياسية .

الفصل الثالث : التنظيم الإداري لجهاز الضمان الاجتماعي السعودي، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : نشأة جهاز الضمان الاجتماعي وتطوره .

المبحث الثاني : الهيكل التنظيمي لجهاز الضمان الاجتماعي السعودي.

أما الباب الثاني فهو بعنوان : موارد الضمان الاجتماعي ، واحتوى على فصلين :

الفصل الأول : الموارد العامة للضمان الاجتماعي ، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول : الموارد العامة في الفقه الإسلامي .

المبحث الثاني : الموارد العامة في النظام .

المبحث الثالث : المقارنة بين الفقه والنظام في الموارد العامة .

الفصل الثاني : الموارد الخاصة للضمان الاجتماعي ، وفيه ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : الموارد الخاصة في الفقه الإسلامي .

المبحث الثاني : الموارد الخاصة في النظام .

المبحث الثالث : المقارنة بين الفقه والنظام في الموارد الخاصة .

الباب الثالث : حالات الضمان الاجتماعي والمستحقون له وشروط استحقاقهم وطرق إعانتهم ، وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول : الحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي ، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول : بيان الحالات التي يغطيها نظام الضمان الاجتماعي .

المبحث الثاني : الحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي في الفقه الإسلامي .

المبحث الثالث : مقارنة بين الفقه والنظام في الحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي .

الفصل الثاني : المستحقون للضمان الاجتماعي وشروط استحقاقهم، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : المستحقون للضمان الاجتماعي، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول : المستحقون للضمان الاجتماعي في الفقه الإسلامي .

المطلب الثاني : الفئات المشمولة بنظام الضمان الاجتماعي .

المطلب الثالث : المقارنة بين الفقه والنظام في مستحقي الضمان الاجتماعي .

المبحث الثالث : شروط استحقاق الضمان الاجتماعي ، وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : شروط استحقاق الضمان الاجتماعي في الفقه الإسلامي .

المطلب الثاني : شـــروط استحقاق الضمان الاجتماعي في النظام .

المطلب الثالث : المقارنة بين الفقه والنظام في شروط استحقاق الضمان الاجتماعي .

الفصل الثالث : طرق إعانة المستحقين للضمان الاجتماعي ، وفيه مبحثان :

المبحث الأول : طرق إعانة المستحقين في النظام ، وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : المعاشات .

المطلب الثاني : المساعدات .

المطلب الثالث : المشاريع الصغيرة .

المبحث الثاني : موقف الفقه الإسلامي من طرق إعانة المستحقين للضمان الاجتماعي .

الباب الرابع : الآثار المترتبة على الضمان الاجتماعي ، وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول : آثار الضمان الاجتماعي على الناحية الاجتماعية .

الفصل الثاني : آثار الضمان الاجتماعي على الناحية الاقتصادية .

الفصل الثالث : آثار الضمان الاجتماعي على الناحية السياسية .

وأعقبت ذلك بالخاتمة وقد ضمنتها أهم نتائج البحث وبعض التوصيات والمقترحات التي رأيت أهمية الإشارة إليها .

ثم أتبعتها بثلاثة ملاحق تضمن الأول نظام الضمان الاجتماعي وفق آخر التعديلات الصادرة ، أما الثاني فضمنته الإشارة إلى أهم المراسيم والأوامر والقرارات والتعاميم المتعلقة بتنظيم أعمال الضمان الاجتماعي ، كما ضمنت الثالث النماذج المعمول بها في تنظيم أعمال الضمان الاجتماعي في المملكة.

وأتبعتها بالفهارس التي تضمنت :

  • فهرس الآيات القرآنية .
  • فهرس الأحاديث النبوية والآثار .
  • فهرس الأعلام .
  • فهرس المصادر والمراجع .
  • فهرس الموضوعات .

 

وقد تضمن البحث التعرض إلى كثير من المسائل المهمة ، وكان من أبرز النتائج والتوصيات التي خلص إليها البحث ما يلي :

أولاً : شمول الشريعة الإسلامية وتنظيمها الشامل لجميع مناحي الحياة الذي يتردد بين الأحكام الثابتة والمتغيرة مما يعطي الدولة الإسلامية نظاماً متكاملاً ينظم العلاقة بين مختلف عناصر المجتمع في ضوء أحكام الشريعة بوجه عام وأحكام السياسة الشرعية على وجه الخصوص .

ثانياً : مرونة الشريعة الإسلامية وهي مرونة تسمح بالتعامل مع مستجدات الحياة دون إخلال بالأسس والأصول العامة للشريعة ، وفي أثناء هذا البحث تأكيد لهذا المعنى من خلال بيان بعض الوسائل الشرعية التي يجوز لولي الأمر اتخاذها رعاية لمصلحة عموم الأمة عندما يستجد من الأمور والوقائع ما يستدعي تدخله .

ثالثاً : للضمان الاجتماعي معنى عام ومعنى خاص ويشمل المعنى العام التأمين الاجتماعي والمساعدات الاجتماعية والخدمات العامة بينما ينصرف المعنى الخاص للضمان الاجتماعي إلى المساعدات الاجتماعية ، وهو المعنى الذي يسير عليه نظام الضمان الاجتماعي في المملكة العربية السعودية لذا فقد عرفت الضمان الاجتماعي تبعاً لذلك بأنه ( نظام واجب على الدولة يضمن للإنسان الذي يعيش في المجتمع الحياة بمستوى كافٍ ولائق ، ويكفل للمجتمع التوازن الاقتصادي والاجتماعي ) .

رابعاً : تأكيد سبق الشريعة الإسلامية في تقرير مبدأ الضمان الاجتماعي وتقرير مسؤولية الدولة عن كفالة الضروريات لكل أفراد المجتمع منذ أكثر من أربعة عشر قرناً في وقت لم يعرف فيه العالم معنى الضمان الاجتماعي فضلاً عن أن يوجد فيه هذا النظام على أرض الواقع .

خامساً : ظهر الضمان الاجتماعي في العصر الحديث نتيجة للضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدولية التي تعرضت لها الدول والأنظمة السياسية خارج النظام الإسلامي ، وهذا يوضح الفارق العظيم بين ما قرره النظام الإسلامي كحق للفقراء والعاجزين وبين تقرير هذا الحق من قبل الأنظمة الأخرى بسبب الضغوط المختلفة التي تعرضت لها ، فلم يكن الضمان الاجتماعي في الإسلام ردة فعل أو أثراً للظلم الاجتماعي أو الفساد في النظام الاجتماعي والاقتصادي بل هو جزء من الشريعة الإسلامية وحق من حقوق أفراد المجتمع الإسلامي تقرره أحكام الإسلام بخلاف ما عليه الحال في الضمان الاجتماعي من المنظور الغربي والذي لم يتقرر إلا نتيجة للضغوط الاجتماعية من قبل الأعداد الضخمة من العمال بعد الثورة الصناعية وذلك لمعالجة الآثار الاجتماعية التي ترتبت على البطالة والفقر ، وبذلك فهو لا يستمد شرعيته إلا من خلال مطالبة المستحقين له ، وليس بدافع ذاتي من النظام والسلطة .

سادساً : أن تحقيق الضمان الاجتماعي هو أحد أهم أعمال ولي الأمر المسلم ، فلا تتصور الولاية بدون تحقيق قدر معين من ضمان العيش لجميع أفراد المجتمع والسياسة الشرعية في هذا الباب هي رائد ولي الأمر في سعيه نحو تحقيق الضمان الاجتماعي ، لأن حالة الفقر والغنى على المستوى الخاص أو العام من الأمور المتغيرة وبالتالي يكون على ولي الأمر واجب سياسة الأمة وتوجيهها نحو تحقيق الضمان الاجتماعي بسن الأنظمة أو اتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة وفق هذه المتغيرات لتحقيق مصلحة عموم الأمة .

سابعاً : بالنظر في طبيعة الضمان الاجتماعي نلمح أركاناً ثلاثة تتمثل في الضامن والمضمون والمضمون فيه ، والضامن الذي يتحمل المسؤولية النهائية عن تحقيق الضمان الاجتماعي هو الدولة ، وقد عرضنا أثناء هذا البحث لبعض المظاهر التي تبين استشعار الدولة الإسلامية في عصورها الأولى للمسؤولية عن تحقيق الضمان الاجتماعي لكافة أفراد المجتمع الإسلامي، وأنها ولاية عامة أسس الرسول e قواعدها وبين مسؤولية الدولة الإسلامية عنها ووجوب التزامها بها .

وهذا خلاف الوضع في العصر الحديث حيث يستند حق الضمان الاجتماعي إلى الإعلانات العالمية للحقوق وهي قواعد غير ملزمة للدول في الغالب إلا من الناحية الأدبية ، لذلك فإن أغلب الدول بدأت تنص على حق الضمان الاجتماعي في دساتيرها .

أما في المملكة العربية السعودية فإن نظام الدولة يستند على أحكام الشريعة الإسلامية لذا فإن مسؤولية الدولة في النظام السعودي مستمدة من الشريعة الإسلامية التي قررت مسؤولية ولي الأمر عن تحقيق الضمان الاجتماعي لجميع أفراد المجتمع ، وعلاوة على هذا فقد ورد النص على حق المواطن في الضمان الاجتماعي في المادة السابعة والعشرين من النظام الأساسي للحكم.

ثامناً : إن المسؤولية عن تحقيق الضمان الاجتماعي تقع على ولي الأمر في المقام الأول ، ونظراً لتشعب أعمال الدولة الحديثة وكثرتها وتضخم الأعباء التي يقوم بها ولي الأمر فلابد له والحال هذه من تحديد جهة معينة تكون مسؤولة عن تحقيق الضمان الاجتماعي حتى لا تشيع المسؤولية ثم لا يوجد من يحاسب على عدم القيام بها ، وهذه الجهة يمكن أن تكون هيئة أو وزارة أو مؤسسة عامة لكن الأساس الذي يجب الاعتماد عليه أن تكون هذه الجهة مستقلة ومرتبطة بولي الأمر مباشرة نظراً لأهمية هذا الأمر وخطورته وارتباطه بالمصلحة العليا للدولة ، والجهة المعنية حالياً بتطبيق نظام الضمان الاجتماعي هي وكالة وزارة الشؤون الاجتماعية لشؤون الضمان الاجتماعي ، وأرى أن تمثيل الضمان الاجتماعي بوكالة وزارة لا يكفي ولا يوازي الأهمية البارزة للضمان الاجتماعي باعتباره أحد أهم واجبات الدولة لذا أقترح أن يتم إنشاء هيئة أو مؤسسة مستقلة للضمان الاجتماعي تكون مرتبطة برئيس مجلس الوزراء ، ويضم لها مصلحة الزكاة والدخل وتشمل فيما تشمل بيت مال للزكاة أو صندوقاً للزكاة وصناديق أخرى لموارد الضمان الاجتماعي الأخرى . ويكون من مهام المؤسسة جباية الزكاة والتنسيق مع جميع الجهات العامة والخاصة فيما يتعلق بتوفير موارد الضمان الاجتماعي وبالجملة تحافظ على موارد الضمان الاجتماعي وتعمل على تنميتها كما تهتم بالوصول إلى جميع مستحقي الضمان الاجتماعي وإيصال حقوقهم إليهم .

تاسعاً : يعد إصدار نظام للضمان الاجتماعي إضافة إلى التزام الدولة بحماية الموارد المالية لتمويله من ضمانات تحقيق الضمان الاجتماعي لكافة المستحقين إلا أن الضمانة الأهم لتحقيق الضمان الاجتماعي هي إمكان اللجوء إلى القضاء ( ديوان المظالم ) للإلزام به وتحقيقه ، ولكن يلاحظ عدم استمرار من رفع دعاوى قضائية – على قلتهم – في متابعة دعاواهم ويبدو أن السبب في ذلك راجع إلى كونهم إما فقراء أو عاجزين شأنهم في ذلك شأن جميع مستحقي الضمان الاجتماعي الذين يغلب عليهم كونهم من فئات فقيرة ضعيفة وعاجزة . لذا أرى أنه يمكن تلافي هذه السلبية بأن توجد آلية نظامية تكفل تحمل الجهة المعنية بالضمان الاجتماعي للتكاليف التي يتكبدها المتظلم في حال ثبوت استحقاقه وصدور حكم لصالحه لأن الجهة المعنية بالضمان الاجتماعي مكلفة شرعاً ونظاماً بإيصال حقه إليه دون أن يتحمل هذا العبء .

عاشراً : المضمون في الضمان الاجتماعي في الإسلام هم جميع من يقيم في المجتمع المسلم سواء كانت إقامتهم دائمة أو مؤقتة فالضمان الاجتماعي يتوجه لجميع هؤلاء بتقديم خدماته وشمولهم بالرعاية إذا تعرضوا لما يقتضي ذلك وتوفرت فيهم شروط الاستحقاق . والمضمون في الدولة الإسلامية إما أن يكون مقيماً إقامة دائمة أو مؤقتة وهو إما أن يكون مسلماً أو غير مسلم ، وهذا ما يؤكد سبق الشريعة الإسلامية وتفوقها على جميع الأنظمة الأخرى فالضمان الاجتماعي مكفول لجميع من يقيم في المجتمع المسلم ، وعلى كل فإن استحقاق الفرد المقيم في المجتمع المسلم للضمان الاجتماعي لابد له من توفر صفتين هما الفقر والعجز عن الاكتساب .

حادي عشر : قصر النظام السعودي للضمان الاجتماعي استحقاق الضمان على المواطنين السعوديين وهم جميعاً من المسلمين ، ولا يتصور حصول غير المسلم على الجنسية السعودية لاعتبارات متعددة ، أما المقيمون إقامة مؤقتة من المسلمين ومن غير المسلمين ، فإنني أرى أنه يمكن شمولهم بنظام الضمان الاجتماعي فيما يتعلق بفرع المساعدات إذا تعرضوا لما يقتضي ذلك ولم يستطيعوا السفر إلى بلدانهم ، فأما المسلمون منهم فلهم حق مقرر في الزكاة وهو مصرف أبناء السبيل فيعطون منه أو من غيره ما يوصلهم إلى بلدانهم في أقرب وقت مع ضمان معيشتهم طوال الفترة السابقة للسفر ، وأما غير المسلمين فإن منحهم أمان الدولة يقتضي أن توصلهم الدولة إلى مأمنهم إذا تعرضوا لعجز أو مرض ولم يجدوا ما ينفقونه وانقطعت بهم السبل فيجب على الدولة أن تقوم بكفايتهم أثناء إقامتهم وإيصالهم في أقرب وقت إلى بلدانهم ويقع عبء ذلك على الخزانة العامة للدولة .

لذا أقترح تعديل النصوص النظامية لتكفل شمول جميع مستحقي الضمان الاجتماعي بناء على معيار الحاجة مضافاً إليه العجز عن الاكتساب .

 

ثاني عشر : إن الأمور الأساسية التي يمكن القول بدخولها ضمن المضمون فيه الذي يجب أن يحققه الضمان الاجتماعي للمستفيدين منه يختلف حتماً باختلاف الزمان والمكان والمجتمع ويمكن التفريق في هذا الخصوص بين الحاجات الأصلية التي يحتاجها كل إنسان بذاته وهي الأمور التي تتعلق ببقائه من مأكل ومشرب ونحو ذلك وبين الحاجات العامة لجميع أفراد المجتمع والتي تمثل ضرورة تبعاً لتطور المجتمعات ، فتلك متعلقة بكل إنسان بذاته لا يمكن استغناؤه عنها بحال ، وهذه متعلقة بتطور المجتمع وطبيعته فوسيلة النقل في المدن الكبرى تمثل حاجة عامة تنزل منزلة الضرورة في هذا الباب .

ثالث عشر : أن مقدار ما يعطاه كل مستحق من الضمان الاجتماعي يراعى فيه مصالح المستحقين وأحوالهم ومرجع ذلك إلى حال المجتمع باختلاف الزمان والمكان ، فإن المجتمعات الفقيرة يختلف الحكم فيها عن المجتمعات المتوسطة أو الغنية فما يصلح القول به في بيئة أو مجتمع قد لا يصلح في بيئة ومجتمع آخر ، والمرعي في ذلك تحقيق مصلحة عموم الأمة ، فإذا كان المجتمع فقيراً لا يجد بعض أفراده القوت الضروري وما شابهه فإن واجب الدولة أولاً تحقيق الكفاف لجميع المستحقين فإذا تحقق ذلك يتم التدرج حتى ينتقل بالمجتمع إلى حد الكفاية ، وإذا كان المجتمع غنياً ولكن يوجد فيه من لا يحصل على تمام كفايته يتم النظر في ذلك والاجتهاد وفق ما يصلح لحال لكل واحد من المستحقين بإعطاء بعضهم كفاية العام وفقاً لحالهم وإعطاء بعضهم ما يسد حاجتهم ويكفل كفايتهم على الدوام .

رابع عشر : نظام الضمان الاجتماعي السعودي بوضعه الحالي لا يقوم بدوره المفترض في رعاية الفئات المستحقة والفقيرة وهو يحتاج إلى تطوير وإعادة نظر وهذا فيما يبدو هو الذي دفع إلى صدور الأوامر السامية لدراسة نظام الضمان الاجتماعي ومراجعته في ضوء ما استجد من ظروف اجتماعية واقتصادية وما تتطلبه هذه الظروف من إعداد نظام متكامل يتفق مع المتطلبات والاحتياجات الحالية والمستقبلية .

ويمكن لنظام الضمان الاجتماعي إذا تم تعديله – وفق ما هو مأمول – أن يكون له دور بارز في كفاية المستحقين في المجتمع السعودي ذلك أن الاجتهادات الفقهية تتيح له التوسع في الإعطاء لبعض الفئات التي تملك مهارات أو خبرات معينة وتفتقر إلى رأس المال فيمكن أن يقوم بدور الممول لهذه الفئات إضافة إلى أنه يجب أن يؤخذ في الحسبان توفير الحاجات الأساسية تبعاً للبيئة والمجتمع من وسائل النقل في المدن الكبرى والسكن والعلاج وتسديد الديون إذا لم تكن في سفه ولا إسراف والزواج وأثاث المنزل والتعليم وتوفير فرص العمل للقادرين عليه مع مراعاة المصلحة وحال المستحقين في المقدار الذي يصرف لكل واحد منهم .

خامس عشر : تختلف الدوافع والأسباب التي تدفع الدول والمجتمعات إلى تحقيق الضمان الاجتماعي من نظام إلى آخر ومن مجتمع إلى مجتمع آخر فيبرز الدافع الديني لدى بعض الأمم كما في النظام الإسلامي ، وتبرز الدوافع السياسية في كثير من الأنظمة وتبرز أحياناً الدوافع الاقتصادية والاجتماعية .

سادس عشر : تعد الزكاة المورد الأول والأهم من موارد الضمان الاجتماعي وقد استقر النظام السعودي على جباية الزكاة كاملة من جميع الأموال والأفراد ،ورغم ذلك ورغم أن نظام جباية الزكاة يشمل جميع الأموال الظاهرة والباطنة إلا أن حصيلة الزكاة تقل كثيراً عن الحصيلة المفترضة ، ولعل ذلك يدعو إلى إعادة النظر في دور الجهاز المعني بجباية الزكاة والطرق والوسائل المتبعة في ذلك .

سابع عشر : إن مسؤولية الدولة عن الضمان الاجتماعي يجعلها تكمل أي نقص قد يطرأ في حصيلة الزكاة ( المورد الأساسي ) وعليه فدور بيت المال دور تكميلي لأي نقص قد يطرأ على ميزانية الضمان الاجتماعي ، وبهذا فإن بيت المال إضافة إلى الزكاة يمثلان الموارد العامة للضمان الاجتماعي .

ثامن عشر : تمثل الموارد الخاصة موارد احتياطية تقوم بدعم الموارد العامة للضمان الاجتماعي عند عجزها عن الوفاء بحاجات المستحقين ، كما أنها تقوم بدور تكميلي للضمان الاجتماعي في الأحوال العادية أي الحالات التي تكون فيها الموارد العامة للضمان الاجتماعي كافية لحاجات المستحقين .

تاسع عشر : في مجال الحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي يتميز الفقه الإسلامي من وجوه عدة أبرزها المرونة والسعة ، فأما من حيث السعة فإن النظام يميل إلى الوفاء بمقتضيات الضرورة وحالات العجز عن الاكتساب وبهذا فالحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي في الفقه أوسع كثيراً مما نص عليه النظام لأن منهج الفقه في تقرير الفئات المستحقة يتجه نحو وضع قاعدة عامة وهي الفقر الذي يقاس بعنصري الحاجة والعجز عن الاكتساب.

لذا نجد أن الفقه يدرج في الضمان الاجتماعي فئات كثيرة بقاسم عام مشترك ، ويلاحظ أن ثمة قصوراً في النظام أدى إلى عدم شمول جميع الفئات المستحقة ، حيث إن النظام في تحديده للفئات المستحقة يتجه نحو اتخاذ العجز عن الكسب معياراً لتحديد المستحق من غيره ، وفي أحيان قليلة يقدر المساعدة وفقاً للحاجة ، والأولى بالمنظم أن يجعل الحاجة والعجز عن الاكتساب معياراً لاستحقاق الضمان الاجتماعي مع السماح بهامش من المرونة يمكن الجهة المختصة بالتنفيذ من تقدير الحالات التي تستحق الشمول بالنظام والتي تتضح من خلال التطبيق العملي .

عشرون : بالنظر إلى شروط استحقاق الضمان الاجتماعي نجد أن الفقه الإسلامي لم يهتم بوضع شروط وقيود مفصلة لذلك ، وإنما اقتصر على الأوصاف والشروط العامة ، بينما نجد أن النظام السعودي وإن كان يستند إلى ما قرره الفقه من شرطي الحاجة والعجز عن الاكتساب فإنه يقصر الاستحقاق على بعض الفئات بسبب التفصيل في الشروط المحددة للاستحقاق ، وليس ثمة حرج في هذا التفصيل في الشروط من قبل المنظم للتثبت من المستحقين وعدم إتاحة الفرصة للمتلاعبين من غير المستحقين بشرط ألا يترتب على هذه الشروط إقصاء بعض المستحقين ، فيجب أن يراعى في الشروط المنظمة للاستحقاق والصرف شمول جميع المستحقين.

حادي وعشرون : يجعل نظام الضمان الاجتماعي الحد الأقصى لأفراد الأسرة الذين يشملهم الضمان سبعة أفراد وما زاد عن ذلك فليس لهم الحق في الضمان ، وهذا محل نظر حيث يفترض أن يتيح المنظم مرونة عند التطبيق تسمح بمراعاة أحوال الأسر كثيرة العدد حتى يتحقق الهدف الذي من أجله صدر النظام ، وأرى إلغاء السقف الأعلى لعدد أفراد الأسرة المشمولة بالضمان الاجتماعي ، وأن يكون الأساس في التقدير هو حاجة الأسرة وعدد أفرادها دون سقف أعلى .

ثاني وعشرون : يحقق الضمان الاجتماعي إذا طبق بشكل سليم وشامل التوازن الاجتماعي والاقتصادي ، كما يقوم بعلاج مشكلة الفقر والتخفيف من آثارها ويسهم بالتالي في علاج ظاهرة التسول ، والحد من مشكلة البطالة، وله أثر بارز في مكافحة الجريمة في المجتمع ، ورفع المستوى التعليمي وتحقيق الرعاية الصحية ، وعلاج المشكلات الاقتصادية ، كما يسهم في تحقيق الاستقرار السياسي للدولة نتيجة التوازن الذي يحققه بين الحقوق الفردية والأهداف الاجتماعية ، لذا أرى أهمية المبادرة إلى عادة النظر في نظام الضمان الاجتماعي وإصداره بشكل يتلافى القصور الموجود في النظام الحالي .

 

كتبـــه

 

عبدالله بن محمد أبا الخيل

     

 

شاهد أيضاً

ماجستير: القتل بدافع الرحمة-عبدالمحسن بن محمد المعيوف-المعهد العالي للقضاء-فقه مقارن 1426

تقسيمات البحث : وقد انتظم البحث في مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة . المقدمة : أهمية ...

أضف تعليقاً